في زمن بولس، كانت روما أكبر مدينة في العالم، إذ تجاوَزَ عدد سُكانها مليون نسمة.[1]وكان سُكانها خليطًا من الأعراق واللغات والأديان. وكان معظمهم عبيدًا.
المُرسَلون الأوائل إلى روما
لا نَعرِف مَنْ كان أوّل مَن حَمَلَ الإنجيل إلى روما. في يوم الخمسين، كان يوجد يهود حاضِرين من روما (أعمال 2: 10). ومن المؤكَّد أنَّ أولئك الذين آمَنوا بالمسيحيَّة حَمَلوا رسالة الإنجيل إلى روما. وكان إعلانهم عن مجيء المسيح سيُثير الجَدَل والإثارة. وكان الإنجيل سينتشر بسرعة أكبر بين الأمم الذين كانوا يحترمون الديانة اليهوديَّة أصلًا.
كنيسة أُمَمِيَّة
على الرّغم من أنَّ الرسالة تُخاطِب اليهود في أجزاء منها، إلّا أنَّ كنيسة روما كانت في الغالِب من الأمم. وقد أطلَقَ عليهم بولس اسم الأمم (1: 13-15) وقال إنَّه بما أنَّه مديون لليونانيّين والبرابرة، فإنَّه مُستعِد للتبشير للرومان. مع ذلك، كان التّأثير اليهوديّ في الكنيسة الرومانيَّة قويًا، لأنَّ أوّل المؤمنين فيها كانوا يهودًا. مِن المُحتمَل أنَّ الإنجيل لم يُشرَحُ بوضوح بطريقة تُظهِر للمؤمنين تَحرُّرهم من قواعد الديانة اليهوديَّة.
[1]Bruce Wilkinson & Kenneth Boaبروس ويلكنسون وكينيث بوا ,Talk through the New Testament, 375
بما أنَّ هدف بولس كان تعزيز العمل التّبشيريّ، فإنَّ السؤال الذي يطرح نفْسَه بطبيعة الحال هو: "هل يحتاج الجميع حَقًا إلى التبرير بالإيمان؟" لأنَّه في النهاية، هناك أشياء لا يحتاجها الجميع. سُكّان القطب الشماليّ لا يحتاجون إلى مَن يُحضِر لهم الجليد، ولا يحتاج سُكّان الصحراء إلى الرمال.
قد يظُن البعض أنَّ التبرير بالإيمان ليس أمرًا يحتاجه كلّ شخص في العالَم؛ فرُبما عاشَ بعض الناس حياة بارّة وحظوا بقبول الله بالفعل. كُتِبَ الجزء الثاني من الرسالة (1: 18-3: 20) ليُظهِر أنَّ كلّ شخص يحتاج إلى التبرير بالإيمان، وبالتالي يحتاج إلى الرسالة المتعِلِّقة به.
النقطة الرئيسيَّة في (1: 18-3: 20)
لقد أخطأ كلّ شَخْص في العالم، وتعدَّى على متطلِبات الله، وهو الآن تحت الدّينونة. لا يُمكِن لأحد أنْ يخلُص على أساس تلبية متطلِّبات الله، لأنَّ كلّ إنسان قد انتهَكَها بالفعل.
مُلَخَّص (1: 18-3: 20)
أوّلاً، يصِف بولس حالة الأمم الوثنيَّة الذين كانوا محرومين من كلمة الله المُعلَنة، ويُظهِر أنَّهم رَفضوا معرفة الله التي أظهَرَها لهم في الخليقة. ثمّ يَصِف حالة بني إسرائيل، الذين كانوا على دِراية بكلمة الله المكتوبة، لكنَّهم لم يُطيعوها. ويختتم بوَصْف خطيَّة العالم عمومًا. والخُلاصة هي أنَّ العالم أجمع أصبحَ مُذنبًا أمام الله. وبذلك يكون الإنجيل ضروريّ، لأنَّه لا يُمكِن لأحد أنْ يخلُص بِناءً على استحقاقه.
في هذه الدروس، سيتمّ تقسيم الجزء الثاني (1: 18-3: 20) إلى ثلاثة مَقاطِع كتابيَّة. وفي هذا الدرس، سنَدرس المَقطَع الكتابيّ الأوّل (1: 18-32).
دراسة مَقطَع كتابيّ - رومية الجزء 2، المقطع 1
الآية (1: 18) هي الآية الانتقاليَّة بين هذا المَقطع والسّابق.
النقطة الرئيسيَّة في (1: 18-32)
كان لدى الأمم مَعرِفة أساسيَّة بالله، لكنَّهم رَفَضوها والتفتوا إلى الأصنام، فانحرفوا وصاروا فاسدين تمامًا.
◄ يجب أن يقرأ أحَدُ الطَّلَبة (رومية 1: 18-32) للمجموعة.
ملاحظات آية بآية
(1: 18) منَحَهم الله معرفةً أساسيَّة عن ذاته. لكنَّهم حَجَزوا الحق. هذا يعني أنَّهم كانوا يمتلكون بعض الحق، كما تُوضِّح الآية التّالية. إنَّ دينونتهم هي رَفْضُهم للحق الذي كانوا يمتلكونه. "الفجور يُعرَّف بأنَّه جريمة في المجال الدّينيّ، ويتَّضِح في عبادة الأصنام، أي عبادة المخلوق دون الخالِق (1: 19-23). الإثم يعني الانحراف الأخلاقيّ، ويتجلَّى في الحياة غير الأخلاقيَّة والشرّيرة (1: 24-32)."[1]
والحق الذي حَجَزوه مُحدَّد في (1: 20). وهو يَشمَل معرفة سُلطة الله عليهم. إنَّ أسلوب حياتهم يُظهِر أنَّهم يُنكِرون سُلطان الله. في المُقابِل، يُظهِر أسلوب حياة المسيحيّ الخضوع لسُلطان الله، سواءً فيما يفعله أو فيما لا يفعله.
[1]Adapted from William Greathouseويليام جريتهاوس , “Romans”, in Beacon Bible Commentary, Vol VIII. (Kansas City: Beacon Hill Press, 1968) 50.
أنواع الإعلان - الخاص والعام
◄ ما هي بعض الطُّرق التي يُعلَن بها الحق الإلهيّ لجميع الناس؟
لأنَّ الله أعلَنَ عن الحق بطُرُقٍ كثيرةٍ، فإنَّنا نتحدَّث عن فئتَين: الإعلان العام، والإعلان الخاص. يُشير بولس إلى هَذَيْن النوعَين في رسالة رومية، حتى وإنْ لم يَستخدِم هَذَين المُصطلحَين.
حيث إنَّ الإعلان العام هو ما يُمكِنُنا فَهمه عن الله من خلال النظر إلى خليقته. فنرى ذكاء الله وقدرته المُذهِلة في تصميم الكون.
نَرَى الدّلالة على وجود الله في طريقة تصميم الإنسان. إنَّ قُدْرتنا على التّفكير، وتقدير الجَمال، والتّمييز بين الصّواب والخطأ (حتى وإنْ لم تَكُن معصومة من الخطأ)، تُظهِر لنا أنَّ خالِقَنا لابد أنْ يمتلك هذه القدرات بدرجة أكبر. وبذلك نَعلَم أنَّ الله قادِرٌ على التّفكير والتّواصُل لأنَّنا نمتلِك هذه القدرات. (اُنظُر مزمور 19: 1-4، 94: 9).
وبما أنَّ الإعلان العام يُظهِر لنا أنَّ الله قادِر على الكلام، فإنَّنا نُدرِك أنَّ الإعلان الخاص مُمكن حُدُوثه. فالله شخصٌ[1]وقادِرٌ على التّحدُّث إلى مخلوقاته العاقِلة. وهذا يُساعدنا على إدراك إمكانيَّة وجود رسائل من الله، بل وحتى كِتاب منه.
بواسطة الإعلان العام، حتى بدون الكتاب المقدس، يَعرِف الناس إنَّه يوجد إله، وأنَّ عليهم طاعته، وأنَّهم قد عَصَوا الله بالفعل (رومية 1: 20). لكن الإعلان العام لا يُرشدنا إلى كيفيَّة بِناء علاقة صحيحة مع الله. ويُظهِر لنا الإعلان العام الحاجة إلى الإعلان الخاص لأنَّه يُبيِّن أنَّ الناس خُطاة ولا عُذر لهم أمام خالِقهم.
يُظهِر لنا الإعلان العام أنَّ البشريَّة ساقِطة ومُذنِبة. وأمّا الإعلان الخاص فيُفسِّر سبب وجود البشريَّة في هذه الحالة. الإعلان الخاص هو الحق المُعلَن بوحي الكتاب المقدس، وفي تجسُّد المسيح. ويصِف الإعلان الخاص شخصيَّة الله، ويشرح السّقوط والخطيَّة، ويُبيِّن كيف يُمكِننا التّصالُح مع الله.
[1]نحن لا نقول إن الله إنسانٌ، بل هو شخص قادِر على التفكير والإرادة والتحدُّث، وليس قوة غير شخصية.
دراسة مَقطَع كتابيّ - رومية الجزء 2، المَقطَع 1
استكمال ملاحظات آية بآية
◄ ماذا يُخبِرنا الإعلان الخاص أكثر ممّا نَعرِفه من الإعلان العام؟
(1: 19) بملاحظة الخليقة، نُدرِك الحق عن الله. حتى الفلاسفة اليونانيّين أقرُّوا بوجود عَقْل إلهيّ يتحكَّم في الكون. وتُعَد طبيعة الإنسان جُزءًا بالِغ الأهميَّة من الخليقة. فنحن نُدرِك الحق الخاص بوجود الله وطبيعته بملاحظة أنَّ الإنسان لديه وَعْي أخلاقيّ بالصّواب والخطأ. (اُنظُر 1: 32).
◄ ماذا نَفهم عن الله عندما ننظر إلى الإنسان؟
(1: 20) منذ الخَلْق، يَعلَم الناس أنَّهم مخلوقون، وأنَّ لله قُدرةً وسُلطانًا أبديّين عليهم. هذه المعرفة كافية لجَعْل رَفْضهم لله أمرًا لا يُمكِن تبريره. سيُحاسَبون بالحُكم على خطاياهم. يعلمون أنَّهم مُذنِبون بالتمرُّد.[1]فمعرفتهم بهذه الأمور عن الله وعن أنفسهم تجعلهم بلا عُذْر.
عدالة الله تقتضي إثبات تعَمُّد الخطيَّة قَبْل أنْ تتِمّ المعاقَبة. كما أنَّه من الضّروريّ أنْ تكون معرفتهم كافية لاختيار الأفضل. لو كان من المستحيل عليهم اختيار سُلوك مختلِف، لَما كانوا بلا عُذْر. الله هنا يَشرَح نفْسَه.[2]
تفترِض كلّ ثقافة تقريبًا في العالَم وجود إلهٍ أعلى خَلَقَ العالَم. عادةً ما يعبدون قوة خارِقة أخرى بدلًا من الله لعِلمِهم أنَّهم منفصلون عن الله لسموِّه. لم يُحاوِل بولس إثبات وجود الله، بل أشارَ إلى أنَّ وجود الله وسُلطانه معروفان في كلّ ثقافة. هذه المعرفة تُؤدِّي إلى الإدانة بالذَنْب.
هناك حُدود للإعلان العام. فمعرفة المسيح والإنجيل لا تُكشَف إلّا بالإعلان الخاص. كذلك أيضًا، العالَم المخلوق لا يُصِوِّر الله بدِقّة، لأنَّه واقِعٌ تحت لعنة الخطيَّة، ولا يُظهِر تصميمه الأصليّ بالكامل. فالخليقة أشْبَه بلَوحَة فنيَّة جميلة عليها بَصمَة قَدَم من الطين. لقد فَسَدَتْ، لكن بعضًا من جَمالِها الأصليّ لا يَزال موجودًا، مُبَيِّنًا شيئًا عن الفنّان.
(1: 22-21) يستحِق الله من الإنسان أنْ يُكرِمَه كإلهٍ (يعبده)، وأنْ يكون شاكرًا (يُسبِّحه). لكنَّهم كرهوا سُلطانه بَدَلًا من أنْ يكونوا شاكِرين لِما نالوه منه. أرادوا أنْ يكونوا آلهة، ناسبين الفضل لأنفسهم على كلّ ما لديهم. لقد كان ادّعاء هذه الألوهيَّة المستقِلِّة حَماقة.
أصبَحَتْ قلوبهم مُظلِمة. يُمثِّل القلب إرادة الإنسان وإخلاصه، ويُمثِّل النّور الحق. ولأنَّهم رَفَضوا الحق، فَقَدوا قُدْرتهم على رؤيته. فَقَدوا فَهمِهم للأمور الرّوحيَّة والأبديَّة، وبالتّالي، لم يَفهموا العالَم المادّيّ فَهمًا دقيقًا أيضًا.
[3](1: 23، 25) أدَّى تركيزهم على أنفسِهم وعلى العالَم المادّيّ ورَفْضَهم للخالِق إلى خَلْق آلِهة تُشيد بطبيعتهم السّاقِطة. ونَقَلوا إلى المخلوقات المجد الذي لله. وللتهرُّب من مسؤوليّتهم تجاه الخالِق، أنكَروا وجوده وبَجَّلوا المخلوق. هذا المَوقِف هو أساس التّطوُّر الحديث والإنسانيَّة. فإذا أَصبحَ الناس نِتاج لأنفسِهم، فبإمكانهم أيضًا تحديد غاياتهم وقِيَمهم وأخلاقهم.
إنَّ جَوهر الوثنيَّة هو خدمة وعبادة شيء خَلَقَه الله. خِدمة شيء ما هي إعطاؤه الأولويَّة في الحياة، وترتيب الحياة وِفقًا لهذه الأولويَّة. عبادة شيء ما هي مَنْحِهِ الاعتماد والتّكريم اللَّذَين من حَقّ الله فقط. الوثنيَّة تتوقَّع وتطلُب من المخلوقات الرّضا الذي لا يُمكِن أنْ يمنَحَه إلّا الخالِق. الماديَّة الحديثة وثنيَّة. لا يمكن للإنسان أنْ يُكرِم الأشياء المادّيَّة دون أنْ يُقلِّل من عبادَتِه لله.[4]
◄ كيف استجابَت الأمم لمعرفة الله؟
(1: 24) تُقدِّم هذه الآية الموضوع الذي تَمّ توسيعه في (1: 26-27). يؤدِّي حُبّ المخلوق الوثنيّ بطبيعته إلى الفساد الأخلاقيّ، بما في ذلك الفجور الجنسيّ. والخطيَّة الجنسيَّة تضَع الرّغبات الجسديَّة في الأولويَّة، لكنَّها تُهِين الجسد، لأنَّه يجب أنْ يكون مُقدَّسًا ومُكرَّسًا لخدمة الله.
(1: 26-27) كان الفساد والفجور النّتيجة الطّبيعيَّة لتمجيد الذّات والسَّماح للأهواء الأنانيَّة بالسّيطرة. فعندما تُسيطِر الشهوات، فإنَّها تتشوِّه. لا يُمكِن للشخص أنْ يُحِب أحدًا كما ينبغي أو يستمتِع بأيّ شيءٍ كما ينبغي إلّا إذا أحَبّ الله وتمتَّعَ به بطريقةٍ تفُوق الكلّ. تُقدِّم الآية (1: 24) هذا الموضوع، وتُبيِّن الصِّلة بين الفساد الأخلاقيّ ورَفْض الله.
كلّ خطيَّة هي تحريف لشيءٍ صالِحٍ خَلَقَهُ الله؛ أمّا الانحراف الجنسيّ فهو أوضَح من بعض الخطايا. كُلّما ابتَعَدَ الإنسان عن طريق الله، ازدادَ وحشيّةً وقسوةً وانحرافًا. يعتقد البعض أنَّ هناك ثقافات بسيطة تعيش حياةً أفضل لأنَّها لم تُفسِدها الحضارة. الحقيقة هي أنَّ معظم شعوب الثقافات البدائيَّة تعيش في خوف من الموت وما وراء الطبيعة، ويُمارِس معظمهم عاداتٍ قاسية، ويُعاني معظمهم من عواقِب أسلوب حياةٍ مُنحَرفٍ وآثِم.
خُلِقَ الإنسان ليؤدِّي دَورَه كإنسانٍ في علاقةٍ مع الله. فإذا انفَصَلَ الإنسان عن الله، لن تكون البشريَّة حَسَب القصد الذي يجب أنْ تكون عليه. حيث إنَّ الإنسان سيسقُط حتى في مُثُلِه العُليا. لأنَّ المُثُل الخاصّة بالرّجولة والأنوثة تُصبِح بعيدة المنال عن الإنسان بدون الله. ونجِد أنَّ الانحراف الجنسيّ هو أوضَح مَظاهر التّطرُّف، لكن كلّ إنسانٍ يتأثَّر بفُقدان إنسانيّته الحقيقيَّة بطُرُقٍ أخرى أيضًا. إنَّ رَفْض إلوهِيَّة الله هو رَفْض لإنسانيَّة الإنسان. وعندما تَرفُض عبادة الله، فأنتَ ترفُض إنسانيّتك.
ومن المثير للسُّخرية أنَّ مَنْ عَبدوا المخلوقات انتهى بهم الأمر إلى إفساد حتى المخلوق، على خِلاف ما هو طبيعيّ. فإذا سَمَحَ الناس لأنفسِهم بأنْ تحكُمَهم رغباتهم الطبيعيَّة، فإنَّ هذه الرّغبات تتَّخِذ أشكالًا متطرِّفة وغير طبيعيَّة.
ومن المُثير للسُّخرية أنَّ مَن يحترم رَغبات الجسد أكثر من الله، فإنَّه في النّهاية يُعامِل جَسَدَه بازدراء. إنَّ أعضاء الجسد التي يعبُدُها الناس في الخطيَّة الجنسيَّة، هي نفْسُها التي يذكُرُونها عندما يُريدون قَوْلَ شيءٍ فاحِشٍ ومُهِين.
عادةً، لا تستسلِم النساء للفساد والانحراف الجنسيّ كالرّجال. حيث إنَّهن يرغبْن غريزيًّا في حِماية وسلامة الأسرة. إنَّ قِيام النّساء بهذا الشّر العظيم يَدُلُّ على أنَّ فجور مجتمعهن قد اكتَمَلَ.
◄ ما هي بعض أشكال الانحراف الشّائعة في مجتمعك؟
إنَّ الوضع الآثِم الذي وَصَلوا إليه هو ما يستحقُّونه بجدارة. إنَّ حالة الخطيَّة هي العِقاب المُناسِب لها، إذ تُسبِّب المعاناة والعار في رغباتها المتنامِيَة غير المُشبَعة، وفي نتائج الفجور.
لا يوجد دليلٌ على أنَّ الكتاب المقدس يُقِرُّ بصحة "العلاقات المِثليَّة (أو المِثليّات) القائمة على الارتباط ومحبة نَفْس الجنس."[1]فلو كان الأمر كذلك، لتوقَّعنا أنْ نجد تعاليم في جميع أنحاء الكتاب المقدس كما هو الحال مع أيّ شَكْل آخَر من أشكال العلاقات الإنسانيَّة (مِثل الأزواج والزوجات، والآباء والأبناء، والمواطِنين والحكومة). بدَلاً من ذلك، لا توجد آية واحدة تُشير إلى إمكانيَّة قبول مِثل هذه العلاقة في نَظَر الله.
ليست التّجربة، أو مشاعر الحُب أو الانجذاب بين شخصَيْن، أو الصّراع في نفوسِنا هو ما يُحرِّمه الكتاب المقدس. في الواقع، يُخبِرنا الله أنَّه قريب من المتألِّمين والمُرتبِكين والمُجرَّبين. ولكن تحدُث الخطيَّة عندما يتِمّ التّرحيب بالأفكار الشّهوانِيَّة (يعقوب 1: 15)، أو عندما ننخرِط في سلوكٍ خارج عن إرادة الله.
ويجب أنْ يتضمَّن رَدّ الكنيسة المناسِب على المِثليَّة الجنسيَّة مَحبَّةً رحيمة، وصِدْقًا رقيقًا، وتواضُعًا أصيلًا. حيث إنَّ محبة الآخَرين تعني الاهتمام بهِم، ونَشْر محبة المسيح سواءً ارتدُّوا عن خطاياهم أم لا. ومحبة الآخَرين تعني رؤيتهم بعينَيّ المسيح، كما نَظَرَ إلينا (ولا يَزال ينظُر إلينا) في خطايانا. غالبًا ما تكون علاقتنا بالشخص هي التي تقوده في البداية إلى علاقة خلاص مع المسيح. وبعد ذلك، يأتي دَور الروح القدس، الذي يعمل عادةً داخِل كنيسة محليَّة، ليُعيد إليه سلامَه.
ومع ذلك، فإنَّ محبة شخصٍ ما تعني أيضًا قَوْل الحق، حتى لو قُوبِلَت بالعَداء أو اللامبالاة. إنَّ مشاركة كلمة الله قد تُنقِذ رَجُلاً أو امرأة من حياة مليئة بالقرارات الخاطئة والحَيرة والخطيَّة والمعاناة. ليس كلّ شخص مستعِدًا لقبول تعاليم الكتاب المقدس. ويجب أنْ يكون الصّبر واللُّطف هما دافِعُنا في نقاشاتنا حَوْل الحق. يجب أنْ نستمع بقلبٍ مفتوح، ونستخدِم الكتاب المقدس بمحبة وتمييز. يجب أنْ نُظهِر اهتمامنا الصادِق بالشخص، حتى يُقدِّر مشارَكتنا.
التّواضُع الحقيقيّ أساسيّ في الرّسالة المسيحيَّة. ينبُع التّواضُع من الحديث مع الله، وقضاء الوقت معه؛ والاعتراف به والاعتراف بخطايانا له والتّخلِّي عنها؛ واحتضان محبة الله العميقة كما عُبِّر عنها على الصليب. يجب أنْ نجعل المحبة والرّحمة دافِعَنا بَدَلًا من الخوف والغضب والكراهية.
(1: 28) لأنَّهم رَفَضوا الله في تفكيرهم وأسلوب حياتهم، انحرَفَت أنماط تفكيرهم وفلسفاتهم تمامًا كسلوكهم. هناك تلاعُب بالألفاظ في اليونانيَّة يُظهِر أنَّه برفْضِهم الله، تَرَكَهم الله لعقلٍ قد رَفَضَه، أي أنَّه توقَّف عن التّأثير عليهم. لقد منَحَ الله الإنسان إرادة حُرّة، وسَمَحَ لها بالعمل. بعد فترة، يسمح الله لِمَنْ يرفضونه تمامًا بالتّحرُّر من تأثيره. حينها، تتّبِع عقولُهم مَسارَ الفساد دون عائق من الله.[1]
إنَّ عبارة "أَسْلَمَهُمُ اللهُ" (1: 24، 26، 28) تُوحي بأنَّ هؤلاء الناس كانوا في حالة يائسة تقريبًا، واتّخَذوا خيارات لا يمكنهم التّراجُع عنها (قارِن بـ 2 تسالونيكي 2: 10-12).
تتأثّر عقول الناس وتفكيرهم سَلْبًا بالفساد. لأنَّ الفساد يُعوق الناس عندما يتعيَّن عليهم اتخاذ قرارات أخلاقيَّة. ويدفَعَهم للدفاع عن رغباتهم وأفعالهم الآثِمة.
◄ ما هي بعض الأمثلة على الأعذار الواهِية التي يسوقها الناس لتبرير خطاياهم؟
(1: 29-31) في هذه الآيات نجد قائمةً بالخطايا الفظيعة. تُكبِح الثقافة والحكومة هذه الميول، لكنَّها موجودة في قَلْب الإنسان الخاطئ. لو أُزيلَت هذه القيود الثّقافيَّة والحكوميَّة، لتحوَّل كثير من الناس بسُرعة إلى متوحشين.
الخطايا وأوصاف الخطاة المذكورة هنا ليست كلّها منفصِلة تمامًا عن بعضِها البعض. فيما يلي بعض الأفكار الأساسيّة التي ينطوي عليها كل منها:
إِثْمٍ - مصطلَح عام، قد يَشمَل جميع المُصطَلَحات الأخرى.
شَرٍّ - مُصطَلَح عام أيضًا للأفعال الخاطئة والشخصيَّة السيئة.
طَمَعٍ - مُصطَلَح يُستخدَم كثيرًا في الكتابات اليونانيَّة للإشارة إلى الأنانيَّة والعدوانيَّة. يَصِف الشخص الذي يسعى وراء مَصالِحه الخاصّة، على استعداد لسَحْق مَصالِح الآخَرين. ويَشمَل الاستخدام غير المشروع لمنصِب السُّلطة لتحقيق الرّبح.
خُبْثٍ - شرور داخليَّة، ومَيْل إلى الشَّر.
حَسَدًا - الرّغبة فيما يملِكه الآخَرون، إلى جانب الغيظ من الأشخاص الذين يملِكون أشياء مرغوبة.
قَتْلًا - القتل المُتَعَمَّد غير الشرعي لشخص آخَر، وهو نتيجة مُتطرِّفة للكراهية والاستياء.
خِصَامًا - المشاجَرة، رُبّما بسبب التّنافُس.
مَكْرًا - الاحتيال، قد يعني تقديم طُعْم للإيقاع بشخص.
سُوءًا - الحِقد، الاستعداد لإيذاء الآخَرين دون سبب.
مُبْغِضِينَ للهِ - يرَوْن الله عدُوُّا لأنَّ شرائعه تُدِينهم.
ثَالِبِينَ - هذا الشخص متكبّر وقاسٍ. الشخص الضعيف بهذه الصّفة يُريد إهانة الآخَرين الذين يجب عليه احترامهم. الشخص القويّ بهذه الصّفة قاسٍ على الآخَرين وينتقم بشدة ممَّن لا يُظهِرون الاحترام الذي يُريده.
مُتَعَظِّمِينَ - الكبرياء هو نَظرَة متعالِية للذّات. إنَّه أصْل كلِّ خطيَّة لأنَّه يّدفَع الشخص إلى التّحكُّم في حياته مُتحدِيًا خالِقه.
مُدَّعِينَ - تمجيد الذّات. هؤلاء الناس أنانيّون. إذا نَظَرْنا إلى السِّمات الأخرى هنا، فإنَّهم يُمجِّدون أنفسَهم بشكلٍ مُخادِع، على حِساب الآخَرين ولإيذاء الآخَرين.
مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا - يُبدعِون في ابتكار الشّرور والأشياء الضّارة.
غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ - تدمير الأسرة نتيجة الخطيَّة، ويؤدِّي إلى مَزيد من تَفكُّك المجتمع. يجد هذا المَيْل للخطيَّة تعبيره المُبكِّر لدى الطفل الذي يتمرَّد على أوّل سُلطة يعرفها.
بِلاَ فَهْمٍ - فاقد الوعي بالقِيَم الأخلاقيَّة. لا يقتنع هذا الشخص بالمنطِق الأخلاقيّ. ليس نَقْصًا في الذكاء، بل هو حِسٌّ أخلاقيٌّ مُعطَّل، ناتِج عن قلب شرير.
بلا عَهْدٍ - غير جدير بالثّقة. شخص تَرَكَ الأخلاق والسُّلطة، وكَرِهَ الحق المُطلَق الذي لا يَخضع له، وجَعَلَ نفْسَه الأولويَّة، ونَكَثَ وعوده.
بلاَ حُنُوٍّ - نقيض امتلاك غرائز الحماية والعاطفة. قد يتركون عائلاتهم ويتّبعون رغباتهم. يمكن تحريف أبسط غرائز الحب. قد يُسيئون معامَلة مَنْ يعتمدون على حمايتهم.
بلاَ رَحْمَةٍ - بلا شفَقَة. قد يشاهد المعاناة دون شَفَقَة. إنَّهم لا يرتدُّون عن الطّريق الفاسِد برؤية معاناة الآخَرين التي ستسِّببها أفعالهم. ولا يندمون برؤية المعاناة التي سبَّبتها أخطاؤهم.
(1: 32) إنَّهم يَعلمون أنَّ هذه الأمور خاطِئة. فالوثنيون لا يتّبعون بإخلاص حتى الحق الذي لديهم. إنَّهم يَعلمون أنَّهم تحت الدّينونة. ومع ذلك فَهُم لا يتّبعون الخطيَّة فقط، بل يُوافِقون على خطيَّة الآخَرين. لقد انحدَرَت أخلاق المجتمع إلى مستوى مُتدَنٍّ لدرجة أنَّ مِعيار السلوك الجديد يُوافِق على الانحلال الأخلاقيّ.
الشخص الذي يَقبَل الخطيَّة تمامًا يُقِرّ بنَفْسِه كخاطئ ويُقِرّ بالآخَرين كخطاة. ويمكنه أنْ يستمتع بخطايا الآخَرين. لقد صَفَّقَ الناس للقتل في الساحات الرومانيَّة. ويستمتع كثير من الناس في العصر الحديث بمشاهدة العنف والأفعال الجنسيَّة غير الأخلاقيَّة. إنَّهم يُعجَبون بالأشخاص الذين يتفوَّقون في مِقدار الخطيَّة التي يُمكِنهم ارتكابها.
من الصعب إدراك الضّرر الكامِل الذي تُلحِقه الخطيَّة بالشخصيّة البشريّة. حيث إنَّ وراء ضَعْف الإرادة المستسلِمة، وصَخَب المشاعر المُثارة، يكمُن عقلٌ خُدِّرَ واستُعبِدَ للرغبة. وقد تعلَّمَ اختلاق الأعذار بدَلًا من تقديم الأسباب. يُقرِّر أوّلًا، ثم يُفكِّر لاحِقًا. يُبرِّر الخطأ بَدَلًا من إعطاء الأسباب. أحيانًا يُخبِر الحق، ولكن ليس باستمرار. لا يُمكن الاعتماد عليه... لقد استبدَلَ الحق بالكذب، والله بالوثنِيّة، والحكمة بالحَماقة...
- ويلبر دايتون
Wilbur Dayton
[2]بعض المخطوطات اليونانيّة لا تحتوي على هذا المُصطَلَح في هذه القائمة.
[3]هذا المُصطَلَح غير موجود في القائمة في العديد من المخطوطات اليونانيّة.
هل كلّ خاطئ غير تائب بهذا الوضع؟
ليس كلّ شخص قد ارتَكَبَ كلّ هذه الخطايا بشكلٍ فِعليّ. ومع ذلك، فإنَّ البشريَّة السّاقطة تَميل إلى كلّ هذه الخطايا، ومن الممكن أنْ يرتكِب كلّ شخص أيًا منها لو كان في ظروف مختلفة.
كان سينيكا فيلسوفًا رومانيًا ومسؤولًا حكوميًا، عاشَ في زمن بولس. لم يكن مسيحيًا ولم يكن على دِراية بالكتاب المقدس، لكنَّه لاحَظَ أنَّ كلّ خطيَّة هي كامِنة في كلّ إنسان. قال: "جميع الرّذائل موجودة في كلّ إنسان، حتى وإنْ لم تَبرُز جميعها بوضوح في كلّ إنسان."[1]يمكننا أنْ نُلاحِظ أنَّ وَصْف بولس للخاطئ غير التّائب ينطبِق على كلّ حقبة زمنيَّة وكل ثقافة.
تُكبِح الحكومة ومعايير المجتمع كثيرًا من ميول الأفراد الشّريرة. يّنغمس كثيرٌ من الناس في قلوبهم وعقولهم في رغبات آثِمة لا يُظهِرونها جَهرًا، رغبةً في رضا الآخَرين. لدى الناس ميول خَفِيّة نحو الخطايا المذكورة في هذا المَقطَع، وهُم مُذنِبون بها في قلوبهم.
[1]مُقتَبَس من قِبَلQuoted by F.F. Bruce ف.ف. بروس, The Epistle to the Romans, in Tyndale Bible Commentaries (Grand Rapids: William B. Eerdmans Pub. Co., 1963), 87.
تطبيقات المَقطَع الكتابيّ
يُصوِّر هذا المقطع الكتابيّ بالأساس أناسًا في مجتمَعات لم تَسمع الإنجيل. رَفَضوا معرفة الله المُعلَنَة في الخليقة وفي ضمائرهم. ثمّ وَجَدوا شيئًا آخَر يعبدونه، فسَمَحَ لهم بإشباع رغبات طبيعتهم الخاطئة، فانحرَفَت رغباتهم. يُوضِّح هذا المَقطَع الكتابيّ سبب احتياج هؤلاء الناس إلى الإنجيل.
هذا المَقطَع الكتابيّ مُهِم للجميع، لأنَّه يُعدِّد أنواعًا كثيرة من الخطايا، ويُظهِر أنَّ الله يُبغِض جميع الخطايا. كما أنَّه يُحذِّر من أنَّ جميع الخطايا تَميل إلى دَفْع الخاطئ إلى مزيد من الشّر. إنَّ مَن يسمعون الإنجيل ويرفضونه مُعرَّضون لخَطَر المرور بنَفْس تجربة فُقدان فَهْمهم للصواب والخطأ.
يشرح هذا المَقطَع الكتابيّ الظروف التي نراها في مجتمعاتنا، على الرغم من أنَّ الإنجيل قد بُشِّر به هناك. تجِد الثّقافة طريقة ما لجَعْل بعض الخطايا مقبولة، متجاهِلة معيار الله.
شهادة
وُلِدَ شماجي في دولة چورچيا، في أوروبا الشّرقيَّة. كان والدا شماجي مُلحِدَين، ولم يكن يرتاد الكنيسة في طفولته. يعني اسمه "سريع الغضب،" وكان الاسم يُناسِب طَبْعه. تورَّط في مشاكل كثيرة في شبابه. بعد إدانته بجرائم، أُرْسِلَ إلى السجن في روسيا لمدة عامَيْن. أُطلِقَ سراحه وعادَ إلى چورچيا خلال ثورة چورچيا ضد روسيا.
أُصيب كَبِد شماجي بأضرار بالِغة بسبب الكحول، وأخبره طبيب أنَّه لن يعيش طويلًا. كان شماجي غير سعيد بحياته، وبدأ يشعُر برغبة في معرفة الله. طلَبَ من بعض أصدقائه المسيحيَين اصطحابه إلى الكنيسة. في البداية، أخبروه أنَّ الكنيسة ليست له. ثمّ أخبروه أنَّه يُمكِنه الحضور إلى الكنيسة إذا وَعَدَهم بعدم الجدال. ذَهَبَ ونال الخلاص في الثانية والعشرين من عُمرِه. تغيَّرَت حياته تمامًا.
شُفيَ شماجي من مرض الكبد. لم يكن يتوقَّع الزواج بسبب مرضه، لكن الله مَنَحَه مُستقبَلًا جديدًا. صار لديه زوجة وثلاث بنات. يعمل شماجي قِسًا ومدرِّبًا للخدمة.
أسئلة مراجعة الدرس 2
(1) ما هي الوسائل التي يستقبل بها البشر الإعلان العام عن الله؟
(2) ماذا يعرف كل الناس عن الله حتى بدون الكتاب المقدس؟
(3) ما هو الإعلان الخاص؟
(4) ما هي الوثنيَّة؟
(5) اذكر طريقتين يؤثر بهما الفساد على تفكير الناس.
واجب الدرس2
اكتُب صفحة تصِف فيها حالة مجتمَع لم يسمع الإنجيل، ولكنّه رَفَضَ الله. ما هي معرفتهم بالله؟ ماذا حدَثَ في تفكيرهم؟ صِفْ شَرَّهم. اشرح لماذا لا يظهر نفْس نوع الشّر من الجميع.
SGC exists to equip rising Christian leaders around the world by providing free, high-quality theological resources. We gladly grant permission for you to print and distribute our courses under these simple guidelines:
No Changes – Course content must not be altered in any way.
No Profit Sales – Printed copies may not be sold for profit.
Free Use for Ministry – Churches, schools, and other training ministries may freely print and distribute copies—even if they charge tuition.
No Unauthorized Translations – Please contact us before translating any course into another language.
All materials remain the copyrighted property of Shepherds Global Classroom. We simply ask that you honor the integrity of the content and mission.