في بدايات هذا المنهاج، اقتبست مقولة اللاهوتي الإفريقي جون مبيتي، الذي قال إن المرسلين لم يجلبوا الله إلى إفريقيا، بل جلب الله المرسلين إلى إفريقيا.[1]قبل وصول المرسلين بفترة طويلة، كان الله يعد الطريق للإنجيل.
ويمكننا القول إنه بنفس الطريقة "لم يجلب مارتن لوثر الله إلى الإصلاح، بل إن الله هو الذي أتى بمارتن لوثر إلى الإصلاح". حتى قبل مارتن لوثر، كان الله ينهض كنيسته. كان الله يستخدم رهبانًا مثل برنارد أسقف كليرفو ليعبِّر عن الجوع للحق، ووعَّاظ مثل جون ويكليف ليجعل الكتاب المُقدَّس متاحًا باللغات الشائعة، وحتى مخترعين مثل يوهانس جوتنبرج ليطوِّروا أدوات ليستخدمها لوثر وآخرون لجعل الكتاب المُقدَّس متاحًا للجميع.
في هذا الدرس، سوف نرى كيف أعد الله الطريق للمصلحين. وهذا سيضع الأساس لدراسة الإصلاح في أول درس من منهاج دراسة تاريخ الكنيسة، الجزء الثاني.
تاريخ
حدث
1090-1153
برنارد أسقف كليرفو
1209
تأسيس الفرنسيسكان
1384
موت جون ويكيلف
1415
استشهاد جان هس
1454
طباعة ترجمة جوتنبرج للكتاب المُقدَّس
1517
بنود لوثر الـ 95
[1]Cited in Timothy C. Tennent, Invitation to World Missions (Michigan: Kregel, 2010), 75.
الصوفيَّة والجوع للقداسة
خلال القرون التي سبقت الإصلاح، أظهرت كتابات الصوفيِّين جوعًا مستمرًّا للقداسة. حتى عندما كان أعضاء كثيرين من كنيسة روما الكاثوليكيَّة مكتفين بالطقوس الفارغة، كان هناك مسيحيُّون يسعون وراء علاقة حميمة وحيَّة مع الله.
في نفس الوقت الذي كان يسعى فيه فلاسفة السكولاستيكيِّين مثل أنسيلم وأبيلارد إلى فهمٍ معقول للاهوت، شدَّد الصوفيُّون على الاختبار الشخصي للمسيح. لم يكن الصوفيُّون يعارضون التعليم، لكنهم شدَّدوا على الاختبار الشخصي فوق الشروحات الفكريَّة.
برنارد أسقف كليرفو (Bernard of Clairvaux) (1090-1153)
الراهب الفرنسي برنارد من كليرفو هو واحد من الصوفيِّين القياديِّين في العصور الوسطى. وُلد برنارد لعائلة ثريَّة. غادر أبوه البيت ليحارب في أول حملة صليبيَّة عندما كان عمر برنارد ست سنوات.
بدلًا من أن يعيش حياة النبلاء، أصبح برنارد راهبًا. في سن الـ 22، التحق برنارد وثلاثون من أصدقائه بدير في سيتايو (Citaeaux). بعدها بثلاث سنوات، أُرسل برنارد ليؤسِّس ديرًا جديدًا في كليرفو. خلال الأربعين سنة التالية، أسَّس برنارد سبعين ديرًا وكان مشرفًا على تسعين ديرًا آخرين.
رغم أن برنارد نادرًا ما ترك ديره، إلَّا أنه أصبح واحدًا من أكثر الناس تأثيرًا في أوربا. كان مشيرًا محترمًا للملوك والبابوات. كما تم انتخاب أحد رهبانه ليصبح البابا يوجين الثالث.
ومع ذلك، يسهل رؤية نقاط ضعف برنارد. فقد حفَّز وعظه على ثاني حملة صليبيَّة والتي لاقت الفشل. كما أقنع البابوات بعزل خصومه، وهي ممارسة أرست الأساس لمحاكم التفتيش. كما قسَّم المسيحيِّين إلى رهبان (مستوى "أعلى" من الروحانيَّة) وعلمانيِّين عاديِّين (مستوى "أدنى" من الروحانيَّة).
ولكن، برغم عيوبه، أظهر برنارد جوعًا للقداسة. قال عنه مارتن لوثر: "أفضل راهب عاش على الأرض، وأنا معجب به أكثر من الباقين مجتمعين".
تُعَد ترنيمة برنارد "التفكير فيك وحده" صورة جميلة عما يعنيه أن تفرح بالتمام في علاقتك مع يسوع. يمثِّل برنارد الجوع للقداسة الذي اتَّسم به شعب الله طوال تاريخ الكنيسة.
يسوع، التفكير فيك وحده،
بحلاوة يملأ القلب،
لكن تلذ رؤية وجهك أكثر بكثير،
وفي محضرك الراحة.
يا رجاء كل قلب منسحق،
يا فرح كل الودعاء،
كم أنت رحيم لمن يسقطون!
كم أنت صالح لمن يسعون!
كاثرين من سيينا (1347-1380 تقريبًا)
صرحت الصوفيَّة الإيطاليَّة، كاثرين من سيينا، بسماعها يسوع يتكلَّم في رؤى. نتيجة لإحدى هذه الرؤى، ألزمت كاثرين نفسها بحياة الخدمة. دخل معظم معاصري كاثرين الذين أرادوا قضاء حياتهم في خدمة الله إلى دير للنساء أو دير للرجال. ولكن بدلًا من ذلك، اعتقدت كاثرين أن الله دعاها للخدمة في العالم. لقد دُعيت لمقاومة الخطيَّة بين قادة الكنيسة، وللتبشير، ولرعاية المرضى والمحتضرين.
عاشت كاثرين خلال سنوات السبي البابلي عندما كان البابا منفيًّا في أفينيون بفرنسا. اعتقدت كاثرين أن الإصلاحات في الكنيسة لن تنجح إلَّا إذا حكم البابا من روما. أقنعت جريجوريوس الحادي عشر بالعودة إلى روما من أفينيون في عام 1376. ومثل برنارد أسقف كليرفو، أثَّرت كاثرين على حكام الكنيسة الأقوياء على الرغم من عدم تمتُّعها بأيَّة سلطة رسميَّة. ومثل برنارد، تظهر كاثرين جوعًا عميقًا للعلاقة مع الله.
توما الكمبيسي (1380-1471)
[1]كان توما الكمبيسي (Thomas à Kempis) ("من Kemperen" مسقط رأسه في ألمانيا) عضوًا في "إخوة الحياة المشتركة" الهولنديِّين، وهي مجموعة سعت إلى بناء علاقة شخصيَّة وثيقة مع الله بينما يخدمون المجتمع. كان توما معلِّمًا وكاتبًا موهوبًا.
كان أعظم أعمال توما هو كتاب "التشبُّه بالمسيح"، وهو كتاب تعبُّدي أصبح أحد أكثر الكتب تأثيرًا في التاريخ. نسب كلٌّ من توماس مور ومارتن لوثر وجون ويسلي جميعهم الفضل إلى كتاب التشبُّه بالمسيح باعتباره قد أثَّر تأثيرًا مهمًّا في تطوُّرهم الروحي. ومثل تراتيل برنارد أسقف كليرفو، يُظهر كتاب التشبُّه بالمسيح شغفًا عميقًا لاختبار الله.
ظلَّ معظم الصوفيِّين مُخلِصين للكنيسة الكاثوليكيَّة. ومع ذلك، كشفت الحركة الصوفيَّة عن استياء متزايد من الطقسيَّة في عبادة العصور الوسطى. سعى المسيحيُّون المُخلِصون لمعرفة الله بطريقة حقيقيَّة وشخصيَّة. وقد أثمر هذا الجوع فيما بعد في حركة الإصلاح.
◄ ناقش كلًّا من نقاط القوة والضعف لدى الصوفيِّين في العصور الوسطى. هل تميل أكثر لاتِّجاه السكولاستيكيِّين أم لاتِّجاه الصوفيِّين؟ بناءً على هذا الاتِّجاه، ما هي المخاطر التي يجب أن تكون على دراية بها؟
[1]"بدون الطريق، لا مجال للذهاب؛ بدون الحق، لا مجال للمعرفة؛ بدون الحياة، لا عيش". "إن كنت ستنال الفائدة، فاقرأ باتِّضاع، وبساطة وإيمان. لا تطلب الشهرة لكونك متعلِّمًا". "في يوم الدينونة، لن نُسأل عمَّا قرأناه، بل عمَّا فعلناه". اقتباسات من توما الكمبيسي
الوعَّاظ وقوة الإنجيل
كانت إحدى علامات الإصلاح هي الكرازة بالإنجيل. أعاد مارتن لوثر وجون كالفن وجون نوكس ومعاصروهم الوعظ بالكتاب المُقدَّس إلى مكانه المركزي في العبادة. هذه هي إحدى أكبر التناقضات بين العصور الوسطى والإصلاح.
وكما كان الحال مع الجوع إلى القداسة الذي أثمر في الإصلاح، هكذا يمكن رؤية الثقة بقوة الإنجيل قبل قرون من الإصلاح وخلال العصور الوسطى. قبل لوثر بوقت طويل، كان الله يقيم وعَّاظًا يؤمنون بالإنجيل بصفته "قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ".[1]
بيتر والدو (1140-1218 تقريبًا) والولدانسيُّون
رأى بيتر والدو أن الكنيسة أصبحت غنيَّة وقويَّة للغاية، فأعطى ممتلكاته للفقراء، وعيَّن كاهنين لترجمة أجزاء من الكتاب المُقدَّس إلى الفرنسيَّة، وبدأ في الوعظ. سافر أتباعه في أزواج للتبشير في الأسواق. دعوا أنفسهم "المساكين بالروح"؛ لكننا نسمِّيهم الولدانسيِّين (Waldensians).
في عام 1184، تم حرمان والدو وأتباعه من قِبَل البابا لوسيوس الثالث بسبب وعظهم دون موافقة الأساقفة. كان الولدانسيُّون يؤمنون أن كل إنسان يجب أن يكون لديه الكتاب المُقدَّس بلغته الخاصة، وأن الكتاب المُقدَّس يجب أن يكون السلطة النهائيَّة للإيمان. بالرغم من أن الولدانسيِّين لم يعلِّموا برسالة الإصلاح الكاملة عن الخلاص بالنعمة وحدها، إلَّا أن حركتهم تظهر خطوة مبكِّرة للابتعاد عن سلطة كنيسة روما الكاثوليكيَّة ونحو سلطة الكتاب المُقدَّس.
فرنسيس الأسيزي (1182-1226) والفرنسيسكان
كان فرنسيس الأسيزي ابن تاجر إيطالي ثري، لكنه تخلَّى عن ثروته ليعظ عن فرح "الفقر الرسولي"، وسرعان ما تبعه آخرون. دعا اسم مجموعته "الإخوة الأصاغر" (Friars Minor)، أو "رهبنة الإخوة الأصاغر" (Order of the Lesser Brothers).
وافق البابا على هذه الرهبنة وأصبحت تُعرف بالفرنسيسكان. ظلَّ فرانسيس مخلصًا لكنيسة روما الكاثوليكيَّة، لكن حياته المتواضعة وخدمته كانت تتعارض بوضوح مع قيم كنيسة روما الكاثوليكيَّة في العصور الوسطى. على الرغم من بقاء فرانسيس مخلصًا للكنيسة، إلَّا أنه أدرك أن الإنجيل لا يدعو المسيحيِّين إلى الطموح الأناني وسياسات الكنيسة والسعي وراء السلطة بأي ثمن.
مسيحيُّون عظماء ينبغي أن تعرفهم: جون ويكليف (1330-1384)
[1]يُطلق على جون ويكليف الإنجليزي اسم "نجم الصباح بالنسبة للإصلاح". بعد مرور 43 عامًا على وفاته، قامت كنيسة روما الكاثوليكيَّة باستخراج جسده وحرق الجثَّة وإلقاء رماده في النهر. ولكن لم يقض تدمير جسد ويكليف على إرثه. كتب أحد الكتَّاب: "لقد أخذ نهر سويفت رماده إلى نهر أفون، ونهر أفون إلى سيفيرن، ونهر سيفرن إلى المحيط. لقد انتشر رماد ويكليف، مثل تعليمه، في جميع أنحاء العالم".
حصل ويكليف على درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد وكان يُعتبر عالم اللاهوت الرائد في أكسفورد. عندما طلبت روما من إنجلترا إرسال أموال إلى البابا، نصح ويكليف البرلمان برفض ذلك. قال إن الكنيسة كانت بالفعل غنيَّة جدًّا. سمع البابا بتصريح ويكليف واتَّهمه بالهرطقة.[2]
بسبب شعبيته في إنجلترا (وضعف كنيسة روما الكاثوليكيَّة في أثناء الانقسام الكبير)، وُضع ويكليف تحت "الإقامة الجبريَّة" بدلًا من نقله إلى روما وقتله. قام برعاية كنيسة في لوترورث (Lutterworth) وكتب مقالات عقائديَّة. جادل ضد عقيدة الاستحالة، ومنح صكوك الغفران، وممارسة الاعتراف. وقال إننا نتبرَّر فقط بالإيمان بالمسيح.
والأهم من ذلك بكثير هو أنه بدأ يترجم الكتاب المُقدَّس إلى الإنجليزيَّة. واعترافًا منه بأن الكتاب المُقدَّس هو السلطة المطلقة للمؤمنين، سعى ويكليف لجعل الكتاب المُقدَّس متاحًا لجميع الإنجليز. كان يؤمن بأنه "من الأفضل أن يتعلَّم الإنجليز ناموس المسيح باللغة الإنجليزيَّة".
تُوفِّي ويكليف قبل اكتمال ترجمته، لكن اثنين من مساعديه أكملوا الترجمة. حتى بعد موته، استمر تأثير ويكليف في التحفيز على الإصلاح. وعظ أتباعه، الملقَّبين بـ "المتمتمون" (Lollards) من قِبَل أعدائهم، في جميع أنحاء إنجلترا.
بعد قرن من الزمان، نشر ويليام تندل أول كتاب مُقدَّس مطبوع باللغة الإنجليزيَّة الحديثة. ذكر تيندال هدفه لأحد الكهنة الكاثوليك الذي انتقده: "إذا أبقى الله على حياتي، فلن يمر وقت طويل حتى أجعل الصبي الذي يقوم بحراثة الحقول يعرف الكتاب المُقدَّس أفضل منك!"
آمن ويكليف وتيندال وخلفاؤهم بأن كلمة الله هي التي تلهم النهضة الحقيقيَّة وتأتي بالناس للخلاص. فمنذ الوقت الذي عاشوا فيه، قام آخرون ممن يشاركونهم قناعاتهم بترجمة الكتاب المُقدَّس إلى أكثر من 2000 لغة.
[1]"لقد أعطانا الله خرافه لنرعاها، لا لكي نجزها". -ويكليف
حتى قبل الإصلاح الألماني، كانت هناك حركة إصلاح نشطة في بوهيميا (تشيكوسلوفاكيا الحديثة). كان أحد قادة هذه الحركة القس جان هَس.
كطالب في جامعة براغ، قرأ جان هَس كتابات جون ويكليف واعتبر نفسه من تلاميذ ويكليف. بعد تخرُّجه، تم تعيين هَس واعظًا في كنيسة بيت لحم، وهي كنيسة صغيرة أسَّسها تاجر ثري كمكان يمكن للإصلاحيِّين أن يعظوا فيه بحريَّة.
مثل ويكليف، عرف جان هَس أن المسيح، وليس البابا، هو رأس الكنيسة. تجرَّأ هَس في وعظه ضد الفساد في الكنيسة، وانتقد بيع البابا لصكوك الغفران. وضع لوحات على جدران الكنيسة يوضِّح فيها تناقض البابا مع يسوع. في إحداها، امتطى البابا حصانًا بينما كان يسوع يمشي. وفي صورة أخرى، غسل يسوع أقدام التلاميذ بينما طلب البابا من المتفرِّجين تقبيل رجليه.
بعد أن اشتكى رئيس أساقفة براغ إلى البابا من عظات هَس الناريَّة، مُنع هَس من الوعظ. وعندما رفض هَس الانصياع، تم طرده كنسيًّا وأُجبر على الذهاب إلى المنفى.
في عام 1414، دعا مجمع كونستانس هَس للدفاع عن وعظه.[1]وعد الأساقفة بـ "ممر آمن" لهَس. كان هَس يأمل في الحصول على جلسة استماع بشأن همومه وكان يعتقد أنه يستطيع إقناع الأساقفة بمواجهة الفساد في الكنيسة. ولكن بدلًا من ذلك، حنث الأساقفة بوعدهم، وأدانوا هَس بالهرطقة، وحرقوه موثقًا إلى العمود.
بعد وفاته، أصبح هَس بطلًا قوميًّا في بوهيميا. كان وعظ جان هَس واستشهاده شرارة في انتشار رسالة الإصلاح.
◄ بدأت كل نهضة دائمة في تاريخ الكنيسة بالعودة إلى سلطة الكتاب المُقدَّس ومركزيته. ما هو دور الكتاب المُقدَّس في كنيستك؟ هل الوعظ بالكتاب المُقدَّس أمر مركزي في خدمتك؟
[1]تذكَّر من الدرس السابق أن مجمع كونستانس هو المجمع الذي أنهى الانقسام الكبير.
الله يعد الطريق للمصلحين
الراهب النبوي: جيرولامو سافونارولا (1452-1498)
في أواخر القرن الخامس عشر، أعادت كرازة سافونارولا النهضة لمدينته فلورنسا وصدمت روما. على الرغم من أن سافونارولا ظل كاثوليكيًّا رومانيًّا، إلَّا أنه أظهر خطوة أخرى نحو الإصلاح. كانت رسالة سافونارولا بسيطة: يَعِد الله بالدينونة على القيادة الفاسدين في الكنيسة، وبالرحمة للتائبين.
في عام 1492، تم انتخاب الكاردينال بورجيا ليصبح البابا ألكسندر السادس. كان بورجيا أحد أكثر الرجال الذين توَّلوا البابويَّة فسادًا. كان لديه الكثير من العشيقات وسبعة أطفال على الأقل. رد سافونارولا على انتخاب بورجيا بتحذير قائلًا: "هوَّذا سيف الرب سينزل فجأة وبسرعة على الأرض". عندما حاول ألكسندر إسكات سافونارولا بعرضه عليه منصب كردينال، رفض سافونارولا. عندئذ منع البابا سافونارولا من الوعظ. واصل سافونارولا الوعظ برسالته الإصلاحيَّة.
ردًّا على ذلك، حرم البابا سافونارولا كنسيًّا وسلَّمه للتعذيب. تعرَّض سافونارولا للتعذيب لأسابيع قبل أن يتم شنقه وإحراق جسده. في مواجهة الموت في سن الخامسة والأربعين، صلَّى سافونارولا قائلًا: "يا رب، أنا لا أعتمد على برِّي الذاتي، بل على رحمتك". وعندما تم اقتياده إلى المشنقة، جرَّده أسقف من ردائه وقال: "أنا أفصلك عن الكنيسة المنتصرة". فأجاب سافونارولا: "هذا يفوق صلاحياتك".
على الرغم من أن سافونارولا لم يترك كنيسة روما الكاثوليكيَّة أبدًا، إلَّا أنه كان له تأثير ساعد في تمهيد الطريق للإصلاح. مثل المصلحين، رفض السماح لتقاليد الكنيسة بأن تحل محل سلطة الكتاب المُقدَّس. كتب سافونارولا، مثل لوثر في الجيل التالي، قائلًا: "أنا أعتبر الكتاب المُقدَّس دليلي الوحيد". أصبحت هذه الثقة بصحَّة الكتاب المُقدَّس إحدى السمات الأساسيَّة للإصلاح.
المخترع صاحب المطبعة: يوهانس جوتنبرج (1398-1468)
في عام 1450 تقريبًا، طوَّر يوهانس جوتنبرج، وهو صاحب مطبعة في ماينز، بجيماني، مطبعة متحرِّكة سمحت بطباعة الكتب على نطاق واسع. غالبًا ما يُطلق على هذا أهم حدث في العالم الحديث. يمكن بضغطة واحدة أن تطبع ما يصل إلى 1500 ورقة في اليوم.
في عام 1454، طبع جوتنبرج الكتاب المُقدَّس بأكمله في مطبعته. بدلًا من نسخ الصفحات يدويًّا ببطء، أصبح من الممكن إنتاج الأناجيل بكميَّات كبيرة. سرعان ما أصبحت كلمة الله متاحة للناس العاديِّين، وكان هذا مفتاحًا للإصلاح.
في 31 من أكتوبر 1517، قام مارتن لوثر بتثبيت أطروحاته الخمس والتسعين على باب كنيسة بيتسبرج. خلال العامين التاليين، تم طباعة اثنين وعشرين طبعة من هجوم لوثر على بيع صكوك الغفران. على الرغم من أن غالبيَّة الألمان لا يقرؤون، إلَّا أن المعلِّم المتعلِّم أو الحرفي كان يحصل على نسخة من كتابات لوثر ويقرأها على الحشود التي تجمَّعت في ساحة المدينة.
في غضون عشر سنوات بعد نشر لوثر لأول مرة، كانت هناك أكثر من مئة طابعة في ألمانيا تطبع كتيِّبات الإصلاح. من خلال تقنية المطبعة، انتشرت رسالة التبرير بالإيمان وحده في جميع أنحاء ألمانيا والعالم الغربي. كان بإمكان البابا أن يقتل الوعَّاظ، كما يمكنه حظر ترجمات الكتاب المُقدَّس، ويمكنه حرق نسخ من الكتاب المُقدَّس، لكنه لم يستطع محو رسالتهم. طبعت الطابعات الأناجيل والكتب المسيحيَّة أسرع من قدرة البابا على حرقها!
... من حينها إلى الآن...
هل كان على الله أن ينتظر جوتنبرج؟ بالطبع لا! ولكن مثلما استخدم الله أوغسطس قيصر لإحضار مريم ويوسف إلى بيت لحم من أجل ولادة يسوع، هكذا استخدم الله جوتنبرج لتطوير التكنولوجيا التي من شأنها أن تنشر رسالة المصلحين بعيدًا عن متناول رحلاتهم. بينما تخدم الله، اعلم أنك لست وحدك. الله يَعِد الطريق للخدمة التي يدعوك إليها.
عالم يوناني: ديسيديريوس إيرازموس (1466-1536)
كان إيرازموس عالمًا هولنديًّا رفض تجاوزات الكنيسة الرومانيَّة. كعالم يوناني، كان إيرازموس قادرًا على قراءة العهد الجديد الذي كان مخفيًّا عن معظم الناس في القرن السادس عشر. سرعان ما أدرك أن الكثير مما تعلِّمه كنيسة روما الكاثوليكيَّة يتعارض مع الكتاب المُقدَّس. هاجم كتابه "في مدح الحماقة" (In Praise of Folly) رحلات الحج وعبادة رفات القدِّيسين. وقد كتب: "يا لحماقة الذين يقدِّسون عظم الرسول بولس ولا يشعرون بوهج روحه في رسائله".
على الرغم من أن إيرازموس لم يترك كنيسة روما الكاثوليكيَّة، إلَّا أن نشره للعهد الجديد اليوناني عام 1516 كان له تأثير في الإصلاح. عندما قارن الناس نص الكتاب المُقدَّس بتعاليم الكنيسة الكاثوليكيَّة، أدركوا إلى أي مدى انحرفت الكاثوليكيَّة الرومانيَّة عن الإنجيل. كانت هناك أخطاء في ترجمة الفولجاتا اللاتينيَّة التي كانت متاحة قبل إيرازموس وكانت هذه الأخطاء تدعم التعاليم الكاثوليكيَّة الرومانيَّة الزائفة.[1]استخدم الله ديسيديريوس إيرازموس لإعداد الطريق للإصلاح.
المبشِّرون بالإصلاح
جون ويكليف
1329-1384
عارض عقيدة التحوُّل وصكوك الغفران. شدَّد على سلطة الكتاب المُقدَّس
تم استخراج جثته وحرقها بعد وفاته.
جان هس
1373-1415
عارض صكوك الغفران وتوقير الصور. شدَّد على سلطان الكتاب المُقدَّس.
تم حرقه على العمود.
جيرولامو سافونارولا
1452-1498
هاجم فسوق قادة الكنيسة.
شُنق وأُحرق.
ديسيديريوس إيرازموس
1466-1536
هاجم الرياء في الكنيسة. قام بطباعة العهد الجديد باليونانيَّة.
ظل في الكنسة الرومانيَّة.
[1]كانت إحدى أوضح المشاكل هي ترجمة الفولجاتا لمتى 3: 2، إذ بشر يوحنا المعمدان قائلًا، "توبوا، لأن ملكوت السماوات قريب". تمت ترجمة هذا في الفولجاتا: "قوموا بعمل أعمال التكفير، لأن ملكوت السماوات قريب". تم استخدام هذا للدفاع عن عقيدة الروم الكاثوليك في أعمال الكفَّارة.
الإرساليَّات الكاثوليكيَّة الرومانيَّة: سيادة الله وانتشار الإنجيل
كان القرن الرابع عشر من أدنى المحطَّات في تاريخ كنيسة روما الكاثوليكيَّة.[1]كان الباباوات في هذه الفترة رجالًا فاسدين وغير أخلاقيِّين وكانوا مهتمِّين بالسلطة السياسيَّة والثروة أكثر من اهتمامهم بالإنجيل. في عام 1302، أعلن البابا أنه لا يمكن أن يخلص أي شخص دون الخضوع المطلق لسلطته. وكما رأينا في الدرس الخامس، كان هذا قرن "السبي البابلي" إذ كان البابا تحت سلطة الملك الفرنسي. في نهاية هذا القرن، أدَّى الانقسام الكبير إلى انتخاب ثلاثة باباوات في وقت واحد.
خلال القرن الرابع عشر، استشهد أكثر من 5,000,000 مسيحي على يد المسلمين في إفريقيا وأسيا، وعلى يد المغول في الصين، وعلى يد الروم الكاثوليك في أوروبا. قتل المسلمون أكثر من 335 ألف مسيحي قبطي و150 ألف مسيحي عراقي و200 ألف مسيحي هندي. قتل الحاكم المنغولي تيمور أكثر من 4,000,000 مسيحي في أثناء محاولته استعادة الإمبراطوريَّة المغوليَّة كقوة إسلاميَّة. في أوروبا، تعرَّض رجال مثل جون ويكليف وجان هَس للاضطهاد بسبب الكرازة بالإنجيل. نتيجة لهذه العوامل، انخفضت نسبة سكَّان العالم الذين يعتنقون الديانة المسيحيَّة من 24٪ عام 1300 إلى 18٪ عام 1400.
إلى جانب الاضطهاد الديني، كانت هناك كوارث سياسيَّة وطبيعيَّة رهيبة. قتل الطاعون الدبلي ما يقرب من 75 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، أي ما يصل إلى 70 ٪ من السكَّان في العديد من المناطق. كما جلبت حرب المئة عام بين إنجلترا وفرنسا عدم الاستقرار في أوروبا.
بالنظر إلى هذه الإحصائيَّات السلبيَّة، من المدهش معرفة أن القرن الرابع عشر كان بداية حركة كرازيَّة كبيرة قادها رهبان وكهنة الروم الكاثوليك. سافر الآلاف من الرهبان والكهنة إلى أماكن مثل الهند وإندونيسيا للكرازة بالإنجيل. حتى بينما كانت سلطة الكنيسة تحت سيطرة أساقفة فاسدين، أقام الله رجالًا علمانيِّين وكهنة محليِّين كانوا أوفياء لدعوته. خدم ما يقرب من 75,000 كارز كاثوليكي خلال القرن الرابع عشر، وضحَّى الآلاف منهم بحياتهم من أجل قضيَّة الإنجيل.
لماذا أركِّز على الإرساليَّات الرومانيَّة الكاثوليكيَّة في القرن الرابع عشر في منهاج موجَّه إلى الإنجيليِّين في القرن الحادي والعشرين؟ لتشجيعك على إدراك أن الله صاحب السيادة يمكنه العمل حتى في أوقات الاضطرابات والمشاكل لتحقيق أهدافه. على الرغم من المعارضة السياسيَّة وحتى الكنسيَّة، يبحث الله عن الأفراد الملتزمين الذين يمكن استخدامهم لإنجاز إرساليته في عالمنا.
[1]الإحصائيَّات الموجودة في هذا القسم مأخوذة من:
Patrick Johnstone, The Future of the Global Church (IL: InterVarsity Press, 2011), 48-49.
الخلاصة: تاريخ الكنيسة يتحدَّث اليوم
في بداية هذا المنهاج، رأينا أربعة مبادئ من متى 28 وأعمال الرسل 1 يجب أن ترشدنا عندما ندرس تاريخ المسيحيَّة. وإذ نرى هذه المبادئ تعمل في تاريخ الكنيسة، نتشجَّع إذ نعرف أن الله يعمل في الكنيسة اليوم. فإله كنيسة القرن الأول والإصلاح هو نفس الإله الذي يعمل في كنيسة القرن الحادي والعشرين.
"دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ". يعلِّمنا مبدأ السيادة أن الله هو المتحكِّم وأنه يتمِّم مقاصده في، ومن خلال، الكنيسة.
"فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ". يعلِّمنا مبدأ الإرساليَّة أن الكنيسة تنمو في اتجاهين. تنمو الكنيسة خارجيًّا إذ تأخذ الإنجيل إلى كل الأمم. تنمو الكنيسة داخليًّا إذ تتعلَّم التلمذة الحقيقيَّة وتتشكَّل على صورة المسيح.
"وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". يذكِّرنا مبدأ التمكين بأنه رغم سقطات الكنيسة، يستمر المسيح في العمل في الكنيسة ليحقِّق إرساليته في العالم.
"وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا... إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". يُذكِّرنا مبدأ مسايرة السياق الثقافي أن الإنجيل ملك لجميع الثقافات. يظهر تاريخ المسيحيَّة أنه يجب ترجمة الإنجيل لغويًّا وثقافيًّا لجميع الأمم.
◄ بينما ننهي هذا المنهاج، راجع هذه الدروس للعثور على مثال واحد لكلٍّ من هذه المبادئ. شارك بالأمثلة التي تجدها مع بقيَّة المجموعة.
الدرس الثامن: أحداث رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة
تاريخ
حدث
1378-1417
الانقسام الكبير في البابويَّة.
1384
موت جون ويكليف.
1415
استشهاد جان هَس.
1454
نشر ترجمة جوتنبرج للكتاب المُقدَّس.
1517
بنود لوثر الخمسة والتسعين.
شخصيَّات رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة
برنارد أسقف كليرفو (1090-1153). صوفي وكاتب ترانيم من العصور الوسطى. مؤثِّر في إقناع الناس ليحاربوا في الحملة الصليبيَّة الثانية.
ديزيديريوس إيرازموس (1466-1536). عالم هولندي في اللغة اليونانيَّة نشر نسخة من العهد الجديد باللغة اليونانيَّة. سمح هذا للمصلحين بقراءة العهد الجديد بلغته الأصليَّة.
جان هَس (١٣٧٢-١٤١٥). راعي وأستاذ في براغ أذاع تعاليم جون ويكليف. تم إحراقه مربوطًا بعمود خشبي كأحد الهراطقة.
جيرولامو سافونارولا (1452-1498). رغم أنه ظل وفيًا للكنيسة الكاثوليكيَّة، إلَّا أنه هاجم عدم أخلاقيَّة سلطات الكنسيَّة.
جون ويكليف (1330-1384 تقريبًا). مصلح إنجليزي جادل لصالح سلطة الكتاب المُقدَّس، وكهنوت جميع المؤمنين، وترجمة الكتاب المُقدَّس إلى لغة الشعب؛ أُدين كمهرطق بعد موته.
تكليفات خاصة بالدرس
(1) قم بالإجابة عن امتحان هذا الدرس. يشمل الامتحان تواريخ من "أحداث رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة" من خلال الخط الزمني (1090-1517).
(2) قم بكتابة ملخَّص سيرة واحد من القادة المسيحيِّين التالين: جان هَس، جيرولامو سافونارولا، أو ديسيديريوس إيرازموس. ينبغي أن يشمل الملخَّص أربعة أجزاء:
السيرة: متى عاش؟ أين يعيش؟ متى وأين مات؟
الأحداث: ما هي أهم الأحداث في حياته؟
التأثير: ما الذي فعله وكان له تأثيرًا دائمًا على الكنيسة المسيحيَّة؟
التطبيق: اذكر درسًا واحدًا تتعلَّمه الكنيسة اليوم من حياة هذا القائد.
لديك خياران لتقديم هذا الملخَّص:
تقديم ورقة من صفحتين إلى القائد المسؤول عن المجموعة.
تقديم الملخَّص شفويًّا من 3-5 دقائق أمام المشتركين في المجموعة.
أسئلة امتحان الدرس الثامن
(1) كان التركيز الأساسي للسكولاستيكيِّين هو الفهم العقلاني للاهوت. أما التركيز الأساسي لـ __________ فكان اختبار المسيح بشكل شخصي.
(2) كان الكتاب التعبُّدي الأكثر تأثيرًا في العصور الوسطى هو __________ الذي كتبه توما الكمبيسي.
(3) قام __________ ومساعدوه بأول ترجمتين إنجليزيتين للكتاب المُقدَّس في القرن الرابع عشر، و__________ في القرن السادس عشر.
(4) كان __________ من براغ هو الذي حفَّز استشهاده على حركة الإصلاح في بوهيميا.
(5) الراهب الذي جلب النهضة لمدينة فلورنسا هو __________.
(6) تم تطوير الطباعة على يد __________.
(7) نُشر أول كتاب مُقدَّس مطبوع بمطبعة متحرِّكة في __________.
(8) جعل إصدار العهد الجديد اليوناني عام 1516 بواسطة __________ نص الكتاب المُقدَّس متاح للواعظين وأطلق شرارة رسالة الإصلاح.
SGC exists to equip rising Christian leaders around the world by providing free, high-quality theological resources. We gladly grant permission for you to print and distribute our courses under these simple guidelines:
No Changes – Course content must not be altered in any way.
No Profit Sales – Printed copies may not be sold for profit.
Free Use for Ministry – Churches, schools, and other training ministries may freely print and distribute copies—even if they charge tuition.
No Unauthorized Translations – Please contact us before translating any course into another language.
All materials remain the copyrighted property of Shepherds Global Classroom. We simply ask that you honor the integrity of the content and mission.