تناول الدرس الثاني تحدِّيين من التحدِّيات التي واجهها الجيل الثاني من الكنيسة: الاضطهاد والتبشير. في الدرس الثالث، سوف ندرس بعض التحدِّيات الإضافيَّة.
ربما كانت التحدِّيات التي ستتم مناقشتها في هذا الدرس أصعب من الاضطهاد نفسه. فالاضطهاد يأتي من الخارج، أما التحدِّيات التي نجدها في هذا الدرس فقد أتت من الداخل. واجهت الكنيسة في القرنين الثاني والثالث هرطقات وصراعات بين المؤمنين ومخاطر الارتداد والتراجع عن الطريق القويم. أثار كل تحدِّي من هذه التحدِّيات أسئلة جديدة في الكنيسة:
التعليم الكاذب. هل ستظل الكنيسة متمسِّكة بـ "الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ"؟[1]
الصراع بين المؤمنين. بينما انتشر الإنجيل، هل ستظل الكنيسة متَّحدة برغم الاختلافات الثقافيَّة؟
التراجع عن الطريق القويم والارتداد. إذا سقط المسيحي بسبب الخوف من الاضطهاد أو بسبب الفشل الأخلاقي، هل يمكن رده إلى شركة الكنيسة؟
تعريف الإيمان: الهرطقة والفكر القويم
تاريخ
حدث
70
خراب أورشليم
90-150
انتشار الغنوسيَّة
190
القانون الموراتوري
313
مرسوم ميلانو
367
رسالة أثناسيوس الفصحيَّة تؤكِّد قانونيَّة العهد الجديد
كتب بروس شيلي (Bruce Shelley): "اللاهوت هو استعمال لغتنا الخاصة وأسلوب تفكيرنا الخاص لشرح حق الله".[2]وهذا أحد أسباب اختلاف التصريحات اللاهوتيَّة في الكنيسة؛ فقد وجدت كل ثقافة طريقة مختلفة للتعبير عن الحق الكتابي لعالمها.
في القرنين الثاني والثالث، صارع المسيحيُّون لتوصيل الإنجيل إلى العالم المتغيِّر. كان الجيل الأول من المسيحيِّين يهودًا يشتركون في مفهوم العهد القديم عن الله وعالمه. بداية من القرن الثاني، جاء معظم المسيحيِّين من ثقافات أمميَّة وثنيَّة. لم يشترك هؤلاء المؤمنين الجدد في الأساس اللاهوتي الذي كان المؤمنون اليهود يتمتَّعون به. خلال هذه القرون، صارع اللاهوتيُّون المسيحيُّون لتعريف المعتقدات المسيحيَّة المركزيَّة بطريقة أمينة للكتاب المُقدَّس ومفهومة لعالمهم.
تعني كلمة أرثوذكسي المعتقد الصحيح السليم، أو العقيدة الصحيحة. الهرطقة هي عقيدة خاطئة، عقيدة تتناقض مع تعاليم الكتاب المُقدَّس الجوهريَّة. من المهم أن ندرك أن ليس كل اختلاف عقائدي يعني وجود هرطقة. ينبغي أن نستخدم هذا التعبير فقط بخصوص التعاليم التي تنكر الإنجيل الصحيح.
عرف المسيحيُّون الأوائل أن الأعداء الخارجيِّين مثل روما كانوا يمثِّلون تهديدًا للكنيسة، لكنهم سرعان ما عرفوا أن الخطر الأعظم يأتي من الداخل؛ خطر التعليم الزائف. يأتي معظم فهمنا اللاهوتي اليوم من رد فعل الكنيسة تجاه الهرطقات. عندما أنكر المعلِّمون الكذبة عقائد الإيمان الجوهريَّة، عمل المسيحيُّون على تعريف وتحديد التعليم الكتابي بطريقة يمكن أن يفهمها كل المسيحيِّين. اعتمدت الكنيسة على ثلاثة مصادر للسلطة في الرد على الهرطقات: قانونيَّة الكتاب المُقدَّس (مجموعة الأسفار المُقدَّسة الموحى بها)، قادة الكنيسة (عند تمثيل الكنيسة كلها)، وقوانين الإيمان (ملخَّصات العقيدة القويمة).
تعلَّقت أولى الهرطقات بطبيعة يسوع المسيح. أظهر إنجيل يوحنا أن يسوع هو الله بالكامل وإنسان بالكامل. أراد يوحنا أن يعرف قرَّاؤه أن يسوع كان الله بالكامل؛ "وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ...".[3]كما أراد أن يعرف قرَّاؤه أن يسوع كان إنسانًا بالكامل، فقد أشار إلى الدم الذي سال من جنب يسوع على الصليب، وآثار المسامير في يدي يسوع، وجوع يسوع.
بينما أنكرت بعض الهرطقات المبكِّرة ألوهيَّة يسوع،[4]إلَّا أن أكثر الهرطقات شيوعًا أنكرت إنسانيته. رفض هؤلاء الهراطقة حقيقة التجسُّد، فقالوا إن يسوع بدا فقط كإنسان.
الغنوسيَّة
كانت الغنوسيَّة واحدة من أخطر الهرطقات في الكنيسة الأولى. بُنيت الغنوسيَّة على فلسفة تُعلِّم بأن العالم ينقسم بين قوتين، الخير والشر.[5]وإذ استعاروا من الفلاسفة اليونانيِّين القدماء مثل أفلاطون، علَّم الغنوسيُّون بأن العالم الروحي فقط هو النقي، أمَّا أي شيء مادي فهو فاسد. رغم أن بعض الغنوسيِّين ادَّعوا أنهم مسيحيِّين، إلَّا أن تعاليمهم تعارضت مع الحقائق الأساسيَّة للإيمان المسيحي.
أولًا، ادَّعى الغنوسيُّون بأن الخلاص يأتي من خلال معرفة سريَّة.[6]علَّم الغنوسيُّون بأن هذه المعرفة الخاصة قد نقلت أتباعهم إلى عالم روحي تام لم يَعُد محدودًا بالعالم المادي، والذي وفَّر علاقة خاصة مع إله مثالي جدًّا لدرجة تمنعه من أن يكون معروفًا في عالم مادي. تعارض هذا مع التعليم الكتابي الذي يقول إن الخلاص متاح لجميع الناس –بالنعمة بالإيمان بيسوع المسيح.[7]بدلًا من المعرفة السريَّة، المعرفة الضروريَّة للخلاص موجودة في الكتاب المُقدَّس.
ثانيًا، لأنهم اعتقدوا أن العالم المادي شر، علَّم الغنوسيُّون بأن إله العهد القديم كان إلهًا شرِّيرًا لأنه خلق العالم المادي، بينما يسوع العهد الجديد كان كائنًا روحيًّا. بحسب هذا التعليم، فإن "الله الذي لا يمكن معرفته" والذي لا علاقة له بالكون المادي كان هو الله الحقيقي. كان إله العهد القديم إلهًا شرِّيرًا خلق العالم وأبقى البشر تحت عبوديَّة المادة. منع هذا الإله الجنس البشري من العودة إلى العالم الروحي. الخلاص من العالم المادي متاح فقط من خلال المعرفة السريَّة التي يمتلكها الغنوسيُّون.
تعارض هذا التعليم مع تعليم تكوين 1 والذي يقول إن العالم الذي خلقه الله كان "حسنًا". كما تعارض مع التعليم الكتابي الذي يقول إن الله قدُّوس. وتعارض مع تعليم يوحنا 1: 1-3 والذي يقول إن يسوع هو الله وأن "كل الأشياء به خُلقت".
ثالثًا، أنكر الغنوسيُّون الحق المذكور في يوحنا 1: 14: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا". كانت هناك صورتان من الغنوسيَّة، وتعارضت كل منهما مع يوحنا 1.
قالت صورة منهما إن يسوع كان هو الله وإنه بدا أن له هيئة بشريَّة فقط. علَّمت هذه الصورة من الغنوسيَّة أن يسوع كان روحًا فقط. أنكر هذا التعليم حقيقة التجسُّد. لقد أنكر إنسانيَّة يسوع المسيح الكاملة.
قالت الصورة الثانية من الغنوسيَّة إن يسوع كان رجلًا عاديًّا امتلأ بروح الله عند المعموديَّة. وفارقه هذا الروح الإلهي قبل الصلب. ينكر هذا التعليم ألوهيَّة يسوع المسيح الكاملة.
أنكرت كلتا الصورتين من الهرطقة الغنوسيَّة عقيدة الكفَّارة الكتابيَّة. فقد كانت الكفارة تتطلَّب أن يكون يسوع إلهًا حقًّا وإنسانًا حقًّا. بصفته الذبيحة عن خطايانا، مات يسوع موتًا جسديًّا حقيقيًّا على الصليب. فلكي يكون بديلًا عن الإنسان، تعيَّن على يسوع أن يكون إنسانًا.[8]أنكرت الغنوسيَّة حقيقة الكفَّارة.
تفاعل كُتَّاب العهد الجديد بقوة ضد تعليم الغنوسيَّة الكاذب. في الرسالة إلى أهل كولوسي، أدان بولس من مارسوا ممارسات الزهد، وادَّعوا معرفة فائقة، وأنكروا القيامة. وحذَّر تيموثاوس صراحة، "مُعْرِضاً عَنِ الْكَلاَمِ الْبَاطِلِ الدَّنِسِ، وَمُخَالَفَاتِ الْعِلْمِ الْكَاذِبِ الاِسْمِ".[9]
رد يوحنا على من أنكروا بشريَّة يسوع قائلًا: "اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا...".[10]لقد أكَّد على قرَّائه أن يسوع كان إنسانًا حقًّا. لاحقًا، حذَّر من أن أي روح لا يعترف بيسوع "فَلَيْسَ مِنَ اللهِ. وَهَذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ".[11]
كُتبت العديد من الأناجيل الغنوسيَّة في القرن الثاني. كانت هذه الكتابات، مثل "إنجيل توما" و"إنجيل مريم" و"أعمال بطرس" و"أعمال توما"، معروفة وقد رفضها آباء الكنيسة الأولى. لم يتم قبولها البتَّة كجزء من قانونيَّة العهد الجديد.
◄ أصبحت أفكار الغنوسيَّة شائعة في بدايات القرن الحادي والعشرين. عاد الكُتَّاب إلى فكرة أن المعرفة السريَّة كانت الكنيسة الأولى قد أخفتها. ويتم تعليم بعض الأناجيل الغنوسيَّة في الجامعات. هل تؤثِّر الأفكار الغنوسيَّة على المجتمع الذي تخدم فيه؟ إذا كان الأمر كذلك، فأي أفكار هي التي تؤثِّر؟
الدوسيتيَّة
هي واحدة من أكثر الجماعات الغنوسيَّة تأثيرًا والتي كان ماركيون قائدًا لها، وهو ابن أحد شيوخ الكنيسة وكان ثريًّا. في عام 140 ميلاديًّا، تم حرمان ماركيون من كنيسة أبيه بسبب التعليم الكاذب والسلوك غير الأخلاقي. ذهب ماركيون إلى روما حيث لم يكن أحد يعرف شيئًا عن ماضيه. وقدَّم تقدمة ماليَّة كبيرة للكنيسة في روما، وانضم إليها، وسرعان ما بدأ يعلِّم عقيدة هرطوقيَّة جمعت بين الغنوسيَّة والمسيحيَّة.
قال تعليم ماركيون إن إله العهد القديم كان إلهًا غضوبًا، وليس أبا يسوع. قال ماركيون إن أبا يسوع كان إله النعمة والمحبة الأعلى. وعلَّم بأن العهد القديم ليس كتابًا مُقدَّسًا. جزء آخر من هرطقة ماركيون يُدعى الدوسيتيَّة، والتي تعني أن يسوع بدا فقط إنسانًا. أنكر هذا التعليم حقيقة التجسُّد. ومثل الغنوسيِّين، اعتقد ماركيون أن المادة شر. بسبب هذا، لم يقدر أن يقبل أن الله القدُّوس يمكن أن يأخذ هيئة بشريَّة.
عندما أدركت الكنيسة في روما هرطقة ماركيون، فصلوه عن شركة الكنيسة. عندئذ زرع كنائس مهرطقة في إيطاليا وأسيا الصغرى.
الموداليَّة
تنكر الموداليَّة التعليم الكتابي الخاص بالثالوث، إذ تنكر وجود أقانيم الثالوث الثلاثة منذ الأزل معًا. وبدلًا من هذا، تعلِّم الموداليَّة بأن الله هو شخص واحد أعلن عن نفسه في ثلاث صور (أو أساليب أو أشكال).
بحسب الموداليَّة، أعلن الله عن نفسه في شكل الآب في العهد القديم. في التجسُّد، أعلن عن نفسه في شكل الابن. بعد الصعود، أعلن عن نفسه للكنيسة في صورة الروح القدس. تعلِّم الموداليَّة بأن الآب والابن والروح القدس غير موجودين معًا في نفس الوقت. وهذا ينكر تعليم العهد الجديد عن الثالوث.[12]
في القرن الثالث، دافع ترتليان، من شمال إفريقيا، عن الفكر القويم ضد الموداليَّة. وبسبب تفسيراته الواضحة، يُسمَّى ترتليان "أبو اللاهوت اللاتيني". لتفسير طبيعة الثالوث، استخدم ترتليان عبارة "جوهر واحد، وثلاثة أقانيم". وبيَّن هذا أن الله هو في الحقيقة ثلاثة أقانيم، وليس ببساطة ثلاثة أشكال لنفس الشخص.
ساعد ترتليان المسيحيِّين أيضًا على فهم سر التجسُّد بوصف يسوع بأنه "شخص واحد وطبيعتين". في شخص واحد، كان يسوع إلهًا بالكامل وإنسانًا بالكامل.
الهرطقات المبكِّرة
الغنوسيَّة
الخلاص مبني على المعرفة السريَّة
كل مادة شر
تنكر حقيقة التجسُّد
الدوسيتيَّة
بدا يسوع فقط أنه إنسان
الموداليَّة
تنكر عقيدة الثالوث
... من وقتها إلى الآن...
من وقت لآخر، يدَّعي شخص ما بأنه اكتشف نصًّا قديمًا يتعارض مع الكتاب المُقدَّس. تشمل الاكتشافات الحديثة الأناجيل الغنوسيَّة مثل "إنجيل توما" و"إنجيل يهوذا". في كل مرة، يعلن المتشكِّكون قائلين: "يثبت هذا الاكتشاف أن قصة العهد الجديد عن يسوع قصة مزيَّفة". ولكن هذه الاكتشافات ليست جديدة.
في القرن الأول، كتب بولس قائلًا إن هيمينايس والإسكندر قد "تحطَّمت بهما سفينة" الإيمان. كان هذان الرجلان يعلِّمان عقيدة كاذبة عن "خرافات" و"تكهُّنات" وليس بتعليم الإنجيل عن الإيمان.[13]في أواخر القرن الأول، كتب إغناطيوس أسقف أنطاكية سبع رسائل جادل فيها ضد الهرطقات التي ستُعرف لاحقًا باسم الغنوسيَّة.
كانت الكتب المزيَّفة، مثل إنجيل توما، معروفة ومرفوضة في القرن الثاني. عرف المسيحيُّون الذي عاشوا بعد أحداث الأناجيل بسرعة هذه القصص الكاذبة، ولكن الأهم هو أنهم عرفوا الإنجيل الحقيقي. في القرن الثاني، أشار يوستينوس الشهيد وإيريناوس وترتليان جميعًا إلى هذه التعاليم الغنوسيَّة. لقد عرفوا أن هذه الكتابات كانت كاذبة.
لا تدع الأناجيل الكاذبة تهز ثقتك. حذَّر يهوذا من أنه "فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ سَيَكُونُ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ فُجُورِهِمْ. هَؤُلاَءِ هُمُ الْمُعْتَزِلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، نَفْسَانِيُّونَ لاَ رُوحَ لَهُمْ". أما رد الفعل المسيحي فبسيط: "فَابْنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى إِيمَانِكُمُ الأَقْدَسِ، مُصَلِّينَ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَاحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مَحَبَّةِ اللهِ، ... وَارْحَمُوا الْبَعْضَ مُمَيِّزِينَ"، أي أَنقِذوا من يشكُّون.[14]"الأناجيل الغنوسيَّة" ليست جديدة. إنها هرطقات قديمة في شكل عبوَّات جديدة. لا زال الإنجيل هو الخبر السار الوحيد.[15]
رد الفعل ضد الهرطقة: قانونيَّة الكتاب المُقدَّس
عندما رفض مراكيون التجسُّد وسلطة العهد القديم، واجهته مشكلة: علَّمت الأناجيل الأربعة بوضوح عن إنسانيَّة يسوع وأشارت أسفار العهد الجديد الأخرى إلى أسفار العهد القديم التي رفضها ماركيون. وكان الحل الذي ابتكره بسيطًا: قبول الأسفار التي اتَّفقت معه فقط! وقد كانت القائمة قصيرة: جزء من لوقا (إذ حذف قصة ميلاد يسوع) وعشرة من رسائل بولس.
لإثبات أن رسالة ماركيون لم تكن كتابيَّة، كان من الضروري الاتفاق على السؤال "ما هي الأسفار المُقدَّسة التي تعتبر بحق كلمة الله؟" ألهم تعليم ماركيون الكاذب الكنيسة بأن ترسِّخ قانونيَّة العهد الجديد.
تعني كلمة "قانونيَّة" (canon) عصا القياس أو معيار القياس. تشير "القانونيَّة" الكتابيَّة إلى الأسفار الموحى بها من الله. سألت الكنيسة ثلاثة أسئلة:
هل هو سفر رسولي؟ هل يرتبط هذا السفر بأحد الرسل؟[16]
هل هو سفر عام؟ هل تقبل الكنائس من جميع مناطق العالم المعروف هذا السفر؟
هل هو مُتَّسق؟ هل يتَّفق هذا السفر مع ما نعرفه عن الله من العهد القديم؟ إذ إن كلمة الله لن تناقض نفسها.
لم يخلق آباء الكنيسة الأولى الكتاب المُقدَّس الذي بين أيدينا، بل لقد أقرَّ آباء الكنيسة ببساطة بالأسفار الكتابيَّة التي أوحى بها الروح القدس. كما أوحى الروح القدس بكتابة الكتاب المُقدَّس، هكذا أشرف الروح على اختيار الأسفار القانونيَّة.
بحلول عام 190 ميلاديًّا، ضم القانون الموراتوري معظم العهد الجديد الحالي. لم تكن هذه القائمة كاملة، وقد شملت سفرين تم رفضهما فيما بعد. ولكن يبيِّن القانون الموراتوري أن معظم القانون كان مقبولًا في القرن الثاني. انتهى القانون وأُغلق بحلول القرن الرابع. في عام 367، كتب الأسقف أثناسيوس من الإسكندريَّة رسالة فصحيَّة احتوت على قائمة كاملة لأسفار العهد الجديد. في عام 393 و397 ميلاديًّا، أكَّد مجمعا الكنيسة في هيبو وقرطاج على نفس الأسفار القانونيَّة.
بيَّن تعليم ماركيون الكاذب أهميَّة تحديد القانونيَّة الكتابيَّة. كما بيَّنت حركة النبي الجديد بقيادة مونتانوس ضرورة إغلاق الأسفار القانونيَّة. في منتصف القرن الثاني، كانت الكنيسة بحاجة إلى النهضة. كان حماس الكنيسة الأولى يتلاشى؛ عاش بعض المسيحيِّين بشكل يختلف قليلًا عن العالم. وبينما حاولت الكنيسة أن تكرز للثقافة الوثنيَّة، بدأ بعض المسيحيِّين في التفكير والتصرُّف مثل العالم الوثني.
في عام 160 ميلاديًّا، بدأ مونتانوس –مسيحي من أسيا الصغرى (تركيا الآن)– في دعوة الكنيسة إلى العودة إلى الانضباط وتجديد التشديد على الروح القدس. لو كانت رسالة مونتانوس هي الدعوة إلى الانفصال عن العالم وتهذيب النفس والانفتاح على قيادة الروح القدس فقط، لكان بإمكانه أن يشعل نهضة حقيقيَّة. ولكنه بدأ هو ونبيَّتَيْن (بريسكا وماكسميليا) في تقديم نبوَّات والوقوع في حالات من النشوة التي ادَّعوا فيها بأن الروح القدس قد تكلَّم من خلالهم. أصبح مونتانوس وأتباعه يُعرفون باسم "الأنبياء الجدد".
نشأت مشكلتان في مسألة المونتانيِّين:
قدَّم الأنبياء الجدد تنبُّؤات كاذبة. بناء على تثنية 18: 20-22، أصبح من الواضح أن الروح القدس لم يكن هو مصدر نبوَّاتهم.
تخطَّت مطالب الأنبياء الجدد معايير الكتاب المُقدَّس الأخلاقيَّة. مثل الغنوسيِّين، حرَّم المونتانيُّون الزواج. كما طالبوا بصيامات وممارسات نسكية مبالغ فيها استعدادًا لعودة يسوع.
اعتبرت بعض الكنائس مونتانوس مهرطقًا مثل ماركيون، بينما رفض آخرون أن يسمُّوه مهرطقًا.[17]ولكن الكنيسة ككل رفضت تعاليم مونتانوس وأتباعه. كما أعطى ادِّعاء "الأنبياء الجدد" دافعًا آخر لإنشاء قانونيَّة العهد الجديد وتثبيتها. "بإغلاق القانونيَّة" (على أساس عدم إمكانيَّة كتابة المزيد من السفار الرسوليَّة الأخرى)، منعت الكنيسة رجلًا مثل مونتانوس من وضع نبوَّاته الشخصيَّة فوق سلطة الكتاب المُقدَّس.
رفضت الكنيسة ادِّعاءات مونتانوس وأتباعه الكاذبة. لم ترفض عمل الروح القدس. وإنما أدركت الكنيسة الفرق بين عمل الروح القدس في القرن الأول وبين عمله في القرون اللاحقة. في فترة الرسل، أوحى الروح القدس بكتابة الأسفار المُقدَّسة، "تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ"،[18]أما لاحقًا فقد أنار الروح القدس الكتاب المُقدَّس لعقول القرَّاء، "وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ".[19]
قانونيَّة العهد الجديد
رسولي: كل سفر كتبه رسول أو رفيق لرسول
عام: كل سفر كان مقبولًا في جميع أنحاء الكنيسة المسيحيَّة كلها
مُتَّسق: لم يناقض أي سفر الإعلان الكتابي السابق
مغلقة: لن تُضاف أسفار جديدة إلى القانونيَّة
رد الفعل ضد الهرطقة: ترتيب الكنيسة
في رسائله، كتب بولس عن وظيفة الشمَّاس والمشرف (الناظر أو الأسقف) والشيخ.[20]قدَّمت هذه الوظائف القيادة للكنائس المحليَّة. عادة اجتمعت الكنائس في البيوت، وكان هناك هيكل تنظيمي بسيط خارج الكنيسة المحليَّة.
في القرنين الثاني والثالث، أصبحت الكنائس أكثر تنظيمًا بكثير. بدلًا من الاجتماع في البيوت، بدأت الجماعات المسيحيَّة تبني مباني كنسيَّة. أشرف الأسقف (أحيانًا يُسمَّى المشرف أو الناظر) على كل الكنائس الموجودة في مدينة واحدة، وتم تعيين الشيوخ لكل كنيسة محليَّة. أصبح الأساقفة يُعرفون باسم "البابا" (من كلمة لاتينيَّة بمعنى "أب").[21]كانوا مسؤولين عن إرشاد الكنيسة إلى طاعة الكتاب المُقدَّس بأمانة. منحت نزاعات مثل النزاع حول الغنوسيَّة مزيدًا من السيطرة الكبيرة للأساقفة، لأنهم كانوا يُعتبرون السلطة النهائيَّة في شؤون العقيدة.
من منظور التاريخ المتأخِّر، نرى فائدة وخطورة لهذه السلطة المتزايدة. الفائدة هي الحفاظ على الفكر القويم في مواجهة هجمات الهراطقة. كتب إيريناوس: "تقليد الرسل محمي بخلافة الشيوخ".[22]فقد اعتقد أن لا أحد يقدر أن يحمي حق الإنجيل بأفضل صورة إلَّا بواسطة الأساقفة وقادة الكنيسة. عندما اكتسب معلِّمون كذبة مثل أريوس شعبيَّتهم في القرن الرابع، هزم أساقفة مستقيمي الفكر مثل أثناسيوس تعليمه المُهرطق.
ولكن هناك خطورة عندما يُعطى لأي إنسان سلطة لا حد لها. أُعطي الأساقفة سلطة ليقرِّروا في النزاعات العقائديَّة، كما أُعطوا سلطة غفران الخطايا، إذ تم اعتبارهم وسطاء بين العلمانيِّين والله. وهكذا تخطوا دور الأساقفة والشيوخ بكثير في كنيسة العهد الجديد.
منذ الإصلاح، أصبحت هناك ثلاث وجهات نظر بخصوص سلطة الأساقفة.
أصرَّت بعض حركات "العودة إلى الكتاب المُقدَّس" على أن الكنيسة اليوم ينبغي أن تعود إلى نموذج كنيسة الرسل. وهذا النموذج يوفِّر نظامًا يتكوَّن من الشيوخ لكل كنيسة محليَّة، ولكن دون هيكل طائفي خارج الكنيسة المحليَّة.
يجادل بعض المسيحيِّين بأن هيكل الكنيسة ينبغي أن يتغيَّر ليسدِّد احتياجات كل جيل جديد. إذ يقولون إن نموذج سفر أعمال الرسل كان مناسبًا لكنيسة القرن الأول ولكنه لا يصلح نموذجًا نتبعه اليوم.
يعلِّم قادة الروم الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيُّون بأن سلطة الأساقفة كانت تحت إرشاد الروح القدس وهي سلطة ملزمة على نحو دائم للكنيسة.
رد الفعل ضد الهرطقة: قوانين الإيمان
كان رد الفعل الثالث من نحو هرطقات مثل الغنوسيَّة والدوسيتيَّة هو تعريف العقيدة المسيحيَّة بعناية للمهتدين الجدد. تصريحات العهد الجديد مثل "يسوع رب" و"اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ" هي عبارة عن ملخَّصات رسوليَّة للعقيدة المسيحيَّة.[23]ربما كانت هذه الإعلانات[24]جزءًا من ليتورجيَّة المعموديَّة في القرن الأول.
بعد الصراع مع ماركيون، بدا القادة المسيحيُّون يطرحون المزيد من الأسئلة التفصيليَّة على المتقدِّمين إلى المعموديَّة ليضمنوا أنهم فهموا العقائد الأساسيَّة في الإيمان المسيحي. أصبحت هذه الإعلانات الخاصة بالإيمان تُعرف باسم "قاعدة الإيمان" أو "قانون الإيمان". أكثر قوانين الإيمان شيوعًا اليوم هو قانون إيمان الرسل، والذي ظهر لأول مرة كاعتراف يُقال عند المعموديَّة في روما في القرن الثاني.
ملخَّص آخر للمعتقدات المسيحيَّة المبكِّرة هو رمز السمكة. الكلمة اليونانيَّة التي تعني سمكة هي ἰχθύς (إكثوس ichthus). ذكَّر كل حرف منها المسيحيِّين الأوائل بجانب معيَّن من المعتقدات الخاصة بيسوع الناصري. أصبح رمز السمكة "قانون" إيمان بسيط للمسيحيِّين الأوائل: يسوع المسيح، ابن الله ومخلِّصنا.
[4]أكثر هذه الهرطقات شيوعًا كانت هرطقة مجموعة تُعرف بالأبيونيِّين (Ebionites). وقد علَّموا بأن يسوع كان مجرَّد إنسان أصبح المسيَّا من خلال الطاعة الدقيقة للناموس.
[12]نرى حقيقة الثالوث (ثلاثة أقانيم تعمل في نفس الوقت) في شواهد كتابيَّة مثل متى 3: 16-17. عند معموديَّة يسوع، نجد الأقانيم الثلاثة مشتركة. الابن ينال المعموديَّة من يوحنا، والروح ينزل مثل حمامة، والآب يتكلَّم من السماء قائلًا: "هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ".
[15]إذا أردت أن تدرس المزيد عن الإجابة الكتابيَّة على هذه الأناجيل المزيَّفة، يمكنك أن تقرأ:
Darrell L. Bock, The Missing Gospels (Nashville: Thomas Nelson Books, 2006).
[16]كتب الرسل معظم أسفار العهد الجديد. الاستثناء هو أسفار تتعلَّق بالرسل بشكل وثيق: مرقس الذي سافر مع بطرس وسجَّل ذكرياته، لوقا الذي سافر مع بولس، تيموثاوس الذي كان تلميذًا لبولس، يعقوب ويهوذا اللذان كانا أخوين غير أشقَّاء ليسوع وتم قبولهما ضمن الرسل.
[17]حتى ترتليان، المدافع عن اللاهوت القويم، أصبح تابعًا لمونتانوس. إذ جذبه تشديد مونتانوس على النهضة وتهذيب النفس.
[24]هل تؤمن بالله الآب، ضابط الكل؟ هل تؤمن بيسوع المسيح، ابن الله الذي وُلد بواسطة الروح القدس من العذراء مريم، والذي صُلب تحت حكم بيلاطس البنطي، ومات وقُبر وقام ثانية في اليوم الثالث، حيًّا من الأموات، وصعد إلى السماوات، وجلس عن يمين الآب، وسيأتي ثانية ليدين الأحياء والأموات؟ هل تؤمن بالروح القدس، بكنيسة مُقدَّسة وبقيامة الجسد؟ -صورة مبكِّرة من قانون إيمان الرسل
مسيحيُّون عظماء ينبغي أن تعرفهم: إيريناؤس، أسقف ليون (130-202 تقريبًا)
كان إيريناؤس راعيًا لكنيسة في مكان يُعرف الآن باسم ليون في فرنسا.[1]وعندما كان شابًّا تتلمذ على يد بوليكاربوس ولاحقًا على يد يوستينوس الشهيد.
في عام 177 ميلاديًّا، كان إيريناؤس يعيش في ليون عندما أذن ماركوس أوريليوس بمذبحة في حق المسيحيِّين في تلك المنطقة. في هذا الوقت، كان إيريناؤس بعيدًا عن الوطن، يحمل رسالة إلى روما بخصوص هرطقة مونتانوس. بسبب هذا، أفلت من الاستشهاد. تم تعذيب وقَتْل ثمانية وأربعين مسيحيًّا من ليون في أثناء هذا الاضطهاد. عندما عاد، تم تعيينه أسقفًا على ليون وبدأ في إعادة بناء الكنيسة.
آمن أيريناؤس بأن لديه مسؤوليَّتين أساسيَّتين كراعٍ: أن يتلمذ رعيَّته وأن يقوِّيهم ضد الهرطقات. لم يحاول أن يخلق عقائد جديدة، وإنما سعى إلى أن يكون أمينًا للإنجيل الذي قبله من يوحنا عبر بوليكاربوس.
لماذا يُعتبر إيريناؤس شخصيَّة هامة في تاريخ الكنيسة؟
(1) أكَّد إيريناؤس على أهميَّة قانونيَّة العهد الجديد.
كان أيريناؤس واحدًا من أول من كتبوا ليصرِّحوا بأن كل الأناجيل الأربعة هي نصوص كتابيَّة. وكتب هذا ردًّا على رفض ماركيون لإنجيل متى ومرقس ويوحنا. تقتبس كتابات إيريناؤس من واحد وعشرين سفرًا من أسفار العهد الجديد السبعة وعشرين. على عكس ما يدَّعيه النقَّاد العصريُّون بأن قانونيَّة العهد الجديد قد "تم اختراعها" بعد هذا الزمن بوقت كبير، يثبت إيريناؤس أن قانونيَّة الأسفار كانت معروفة منذ وقت مبكِّر جدًّا في تاريخ الكنيسة.
(2) قدَّر إيريناؤس وحدة الكنيسة
أشار إيريناؤس إلى وجود دفاعين ضد الهرطقات: قانونيَّة العهد الجديد وسلطة قادة الكنيسة. قال إن وحدة الأساقفة تعمل كدفاع ضد العقيدة الخاطئة.
قدَّر إيريناؤس وحدة الكنيسة. في الصراع الذي دار حول تحديد تاريخ عيد الفصح، طلب إيريناؤس من أسقف روما أن يقبل المسيحيِّين الشرقيِّين الذين احتفلوا بالفصح في تاريخ مختلف عن الكنيسة الغربيَّة.
أشهر كتاب لإيريناؤس هو كتاب "ضد الهرطقات" (Against Heresies)، وهو رد على الهرطقة الغنوسيَّة. ادَّعى الغنوسيُّون أن لديهم تقليد شفوي سرِّي مُستلَم من يسوع، ورد إيريناؤس بأن التقليد المسيحي الحقيقي الوحيد هو الإنجيل الذي تم استلامه من الرسل بواسطة الأساقفة.
للأسف، استُخدمت كتابات إيريناوس عن سلطة الكنيسة لاحقًا للادِّعاء بأن كنيسة روما الكاثوليكيَّة كانت هي السلطة النهائيَّة لكل المسيحيِّين. أخذ الكُتَّاب الكاثوليك الرومان أفكار إيريناؤس أبعد ممَّا علَّم به إيريناؤس نفسه. بالنسبة إلى إيريناؤس، كانت سلطة الكنيسة مبنيَّة على أمانتها للعقيدة التي يعلِّم بها العهد الجديد. عكس البابوات الكاثوليك الرومان اللاحقون هذا وطالبوا بالسلطان حتى عندما ابتعدوا عن تعاليم العهد الجديد. وكانت هذه إساءة رهيبة في استخدام تعليم إيريناؤس.
(3) علَّم إيريناؤس عن أهميَّة عقيدة التجسُّد.
علَّم الغنوسيُّون عن أن الله لم يأت في هيئة بشريَّة. رد إيريناؤس بأن التجسُّد أمر مركزي بالنسبة لرسالة الإنجيل. عندما أصبح واحدًا منَّا، جعل الله من الممكن لنا أن نصبح مثله. علَّم إيريناؤس بأن الأكثر من "حسبان" أولاد الله أبرار أمام الله، هو إمكانيَّة "جعلهم" أبرار. يمكن أن يكون وعد الله بجعلنا على صورته واقعًا بسبب التجسُّد. اليوم بينما يجادل اللاهوتيُّون الليبراليُّون بأنه يمكننا اتِّباع تعاليم يسوع الأخلاقيَّة بدون الإيمان بأنه هو ابن الله، يذكِّرنا إيريناؤس بأن حياة وتعاليم يسوع أمران لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض.
تبيِّن حياة وخدمة إيريناؤس كيف رد القادة في القرن الثاني على الهرطقات. لقد ردُّوا بأن أشاروا إلى الحق الموجود في العهد الجديد وبالتشديد على سلطان الكنيسة المسيحيَّة. في القرن التالي، سيتم التأكيد على هذه التعاليم في صورة قوانين إيمان الكنيسة. معًا، أصبحت هذه السلطات الثلاث (قانونيَّة الأسفار المُقدَّسة ونظام الكنيسة وقوانين الإيمان) دفاع الكنيسة ضد التعليم الكاذب.
◄ أي من الردود الثلاثة على الهرطقات (قانونيَّة الأسفار، سلطة الكنيسة، أم قوانين الإيمان) هو الذي له أكبر تأثير على كنيستك اليوم؟
بينما توسَّعت الكنيسة، ثارت الصراعات بسبب اختلاف الخلفيَّات الثقافيَّة في أيام الكنيسة الأولى. شكا اليهود الناطقون باليونانيَّة من أن أراملهم لم يكنَّ يتلقَّيْن نفس الرعاية مثل اليهود الناطقين بالعبريَّة.[1]مع انتشار الكنيسة إلى عالم الأمم، نشأت صراعات على مستوى أوسع. انعقد مجمع للكنيسة في عام 49 ميلاديًّا لمناقشة قضايا تتعلَّق باهتداء الأمم.[2]
بحلول القرن الثالث، نشأ عدد من الاختلافات في الكنيسة. من بين هذه الاختلافات:
المعموديَّة
في بعض الكنائس، تم تعميد المؤمنين الجدد سريعًا بعد الاهتداء.
في كثير من الكنائس، أخذ المؤمنون الجدد سنة من التعليم قبل المعموديَّة.
في بعض الكنائس، كان يتم تعميد الأطفال الرضع.
الاحتفال بعيد الفصح
في القرن الثاني، جادل المسيحيُّون بشأن التاريخ الصحيح للاحتفال بالفصح. احتفل المسيحيُّون في الجزء الشرقي من الإمبراطوريَّة الرومانيَّة بالقيامة في أثناء عيد الفصح اليهودي. أما المسيحيُّون في الجزء الغربي من الإمبراطوريَّة فاحتفلوا بالقيامة يوم الأحد بعد الفصح.
التقى أسقفان، بوليكاربوس (من الشرق) وأنيسيتوس (من روما)، ليتناقشا حول هذه المسألة. لم يصلا إلى اتفاق بخصوص التاريخ، ولكنهما اتفقا على ألَّا تقسم اختلافاتهما كنائسهما. للأسف، فيما بعد لم يلتزم الأساقفة بالوحدة مثلهما؛ لفترة رفضت الكنائس الشرقيَّة والغربيَّة رأي بعضهما البعض بخصوص تاريخ عيد الفصح. الكنيسة المبنيَّة على الإيمان بالقيامة انقسمت بسبب تحديد تاريخ الاحتفال بالقيامة!
أدركت الكنيسة وجود درجات مختلفة من الخلاف. تضمَّنت بعض القضايا (مثل الغنوسيَّة والدوسيتيَّة) رفض الحق الكتابي. رفضت الكنيسة التسامح مع هذه البدع. تضمَّنت بعض القضايا (ممارسات المعموديَّة والاحتفال بعيد الفصح) اختلافات في تفسير الكتاب المُقدَّس. بالنسبة لهذه القضايا، كان المسيحيُّون يتسامحون عادة مع وجهات النظر البديلة. قد يعبدون منفصلين من أجل الشركة مع المؤمنين الذين يشتركون معهم في قناعاتهم، لكنهم لم ينكروا إيمان خصومهم.
◄ في مواجهة الخلافات المتعلِّقة بالعقيدة أو الممارسة، كان على المسيحيِّين في القرون الأولى أن يقرِّروا "هل هذه بدعة أم اختلاف مقبول في الرأي؟" ما هي الاختلافات في التفسير التي تقسم الكنائس اليوم؟ كيف تظل أمينًا لفهمك للكتاب المُقدَّس، بينما تحافظ على الوحدة في جسد المسيح؟
في عام 247 كان عمر مدينة روما ألف عام. تضمَّن الاحتفال بعيد ميلاد المدينة والذي استمر ثلاثة أيام تقديم ذبائح للكثير من الآلهة الوثنيَّة. بالطبع لم يشترك المسيحيُّون في الذبائح. في وقت لاحق من العام، اجتاح وباء روما. ألقى الرومان باللوم على المسيحيِّين بسبب الطاعون. كانوا يعتقدون أن الآلهة كانت غاضبة لأن المسيحيِّين رفضوا تقديم الذبائح للآلهة الوثنيَّة.
بناءً على ذلك، بدأ الإمبراطور ديسيوس في اضطهاد المسيحيِّين الذين رفضوا تقديم الذبائح للآلهة. كان مطلوبًا من الجميع الحصول على "شهادة بتقديم الذبيحة" والتي تثبت أنهم قدَّموا ذبيحة للآلهة. قُتل الكثير من المسيحيِّين خلال فترة أربع سنوات من الاضطهاد والتي انتهت بموت ديسيوس في عام 251.
اختبأ الكثير من المسيحيِّين، هربًا من الاستشهاد، وحصل آخرون على شهادات مزوَّرة، أو حتى ارتدُّوا بتقديم ذبائح للآلهة. جادلت الكنيسة فيما بعد حول كيفيَّة إعادة الشخص الذي تاب بعد التخلِّي عن إيمانه.
التراجع بسبب خطيَّة متعمدة
في القرن الثاني، أخبر المسؤول الروماني بليني (Pliny) الإمبراطور تراجان أنه لم يتمكَّن من العثور على أي خطأ أخلاقي في المسيحيِّين الذين فحصهم. وبالمثل، قال يوستينوس إن طهارة المسيحيِّين أقنعته بحقيقة الإنجيل.
ومع ذلك، فبحلول القرن الثالث، تغيَّرت الأمور. بينما كان مونتانوس مخطئًا في بعض تعاليمه، إلَّا أنه كان محقًّا في الإصرار على أن الكنيسة بحاجة إلى النهضة. كان الكثير من المسيحيِّين أقل التزامًا من المسيحيِّين في القرون الأولى. أدَّى هذا إلى مشاكل الخطيَّة والتراجع.
تخلَّى بعض أعضاء الكنيسة عن الإيمان لتجنُّب الاضطهاد، بينما كان آخرون مذنبون بارتكاب الفجور الجنسي أو الخطايا الجسيمة الأخرى. وبينما واجه المسيحيُّون دائمًا إغراء التراجع، كانت كنيسة القرن الثالث أضعف من الكنيسة الأولى. يظهر هذا الضعف في التراجع المتزايد.
رد فعل الكنيسة من نحو الارتداد والتراجع
أثارت عودة الأعضاء الذين أنكروا المسيح في وجه الاضطهاد أو الذين ارتكبوا خطايا جسيمة عمدًا أسئلة صعبة على الكنيسة. سأل قادة الكنيسة:
هل نعمة الله الغافرة أعظم من أسوأ خطايا الإنسان؟
هل هناك خطايا لا يوجد لها غفران؟
إذا غفر الله للشخص، هل يتم رده فورًا للكنيسة؟
إذا سمحت الكنيسة بالعودة لمن تابوا ممن تراجعوا في سلوكيَّاتهم، فهل ستصبح الكنيسة متساهلة مع الخطيَّة العمد؟
بينما اتَّفق المسيحيُّون على أن الله سيغفر لمن تراجع ثم تاب، إلَّا أن الكثير من الكنائس رفضت في القرنين الأولين إعادة العضويَّة إلى أولئك الذين ارتكبوا أيًّا من الخطايا الثلاث: الفجور الجنسي أو القتل أو الردة. لم يُسمح لمن ارتكبوا هذه الآثام بالعودة إلى العشاء الربَّاني حتى بعد التوبة.
في القرن الثالث، بدأ الأساقفة في تغيير هذه السياسة. قَبِل كاليستوس، أسقف روما من 217 إلى 222 ميلاديًّا، أعضاء الكنيسة التائبين الذين ارتكبوا الزنا. لقد ادَّعى السلطة للقيام بذلك بزعمه بأن الكنيسة في روما قد أُعطيت السلطة لربط الخطايا وحلها. كانت هذه خطوة كبيرة في تشكيل "الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة" التي يطالب فيها أسقف روما بالسلطة على كل العالم المسيحي.
بينما استمر اضطهاد ديسيوس أربع سنوات فقط، إلَّا أنه أثار قضايا ظلَّت لفترة أطول. بعد وفاة ديسيوس، أراد بعض أعضاء الكنيسة الذين ارتدُّوا العودة إلى الكنيسة. يعتقد العديد من المسيحيِّين أنه لا ينبغي السماح لأولئك الذين ارتدُّوا في أثناء الاضطهاد بالعودة إلى الكنيسة.
ومع ذلك، طلب كبريانوس، الذي شغل منصب أسقف قرطاج من 249 إلى 258، من الكنيسة إعادة قبول أي شخص أظهر توبة صادقة. واقترح نظامًا يتم فيه إعادة أولئك الذين قدَّموا ذبائح للآلهة، فقط بعد التعذيب، بسرعة إلى الكنيسة. أما أولئك الذين قدَّموا ذبائح للآلهة دون أن يتعرَّضوا للتعذيب فليتلقوا عقوبات أشد، تتضمَّن الاعتراف العلني أمام الجماعة.
أدَّى اقتراح كبريانوس إلى تطوير نظام التوبة والتكفير عن الذنب[1]قبل السماح للشخص بالعودة إلى العشاء الربَّاني. في النهاية، تضخَّم هذا وأصبح نظام التوبة والتكفير عن الذنب الكاثوليكي وأدَّى إلى ممارسة صكوك الغفران التي عارضها مارتن لوثر.
◄ ما هي العمليَّة التي تتَّبعها لاستعادة عضو الكنيسة الذي يوجد بحياته تراجُعًا؟ هل لديك عمليَّة تضع في حسبانها خطورة الخطيَّة المتعمدة والمستمرة وتوفِّر الاستعادة عندما يتوب المتراجِع حقًّا؟
ارتداد قادة الكنيسة: نزاع الدوناتيِّين
شمل نزاع أكبر الأساقفة الذين ارتدُّوا في أثناء اضطهاد دقلديانوس (303-312). أصرَّ دوناتوس، الذي شغل منصب أسقف قرطاج ابتداءً من عام 313، على وجوب إعادة تعميد رجال الدين المرتدِّين (المعروفين بـ traditors [2]). حتى حدث ذلك، أصرَّ على أن خدمتهم كانت باطلة، وينبغي ألَّا تعترف الكنيسة بالمعموديَّة التي قام بها هؤلاء الأساقفة. كانت هذه مشكلة خطيرة لأعضاء الكنيسة. كانوا يخشون أن ترفض الكنيسة معموديتهم لأن راعيهم كان غير مؤهل.
تسبَّب "الجدل الدوناتي" في انقسام في الكنيسة استمر لعدَّة عقود. بينما جادل الدوناتيُّون بأن المعموديَّة أو الشركة على يد "أسقف مزيَّف" غير صالحة، قرَّرت معظم الكنائس أن سلطة المعموديَّة أو الشركة تأتي من الكنيسة، وليس من القس كفرد. لهذا السبب، الشخص الذي اعتمد على يد خائن كان لا يزال معتمدًا في نظر الله؛ لم يكن من الضروري "إعادة المعموديَّة". أصبحت هذه هي الممارسة السائدة خلال تاريخ الكنيسة.
[1]نظام التوبة هو نظام يتوجَّب فيه على الشخص القيام بأعمال معيَّنة لتؤهِّله للغفران.
[2]تأتي الكلمة اللاتينيَّة من نفس جذر كلمة "الخائن". لقد خان هؤلاء الأساقفة الإيمان.
الخلاصة: تاريخ الكنيسة يتكلَّم اليوم
تأتي بعض أعظم التهديدات للكنيسة من الداخل. عندما واجهت الكنيسة الهرطقات التي علَّمها بعض أعضائها، علمت أنه يجب عليها أن تظل أمينة للرسالة الرسوليَّة في العهد الجديد.
أدان آباء الكنيسة الأوائل معلِّمين مثل ماركيون الذين تحوَّلوا إلى البدعة. اعتقد رجال مثل ماركيون أن بإمكانهم تعليم جزء من رسالة الكتاب المُقدَّس بينما يتجاهلون الأجزاء الأخرى. تُظهر قوانين الإيمان أن الإيمان بيسوع التاريخي كان اختبارًا للإيمان المسيحي الحقيقي.
نواجه هذه التحدِّيات مرة أخرى في القرن الحادي والعشرين. مرة أخرى، يقول بعض العلماء إنهم يؤمنون بتعاليم يسوع، لكنهم ينكرون الحقائق التاريخيَّة الخاصة بحياته وموته وقيامته. مرة أخرى، يستخدم بعض العلماء "الأناجيل" الكاذبة مثل "إنجيل توما" لتعليم رسالة غنوسيَّة تخدع الكثيرين.
اليوم، يجب على الكنيسة أن تقف بقوة مرة أخرى ضد هذه الرسالة الخاطئة. ومثل آباء الكنيسة، يجب أن نتمسَّك بحقائق المسيحيَّة ونرفض البدع التي تقوض الإيمان. واجه آباء الكنيسة الاستشهاد بدلًا من إنكار الإيمان. المسيحيُّون اليوم مدعوُّون إلى أن يحذوا حذوهم، بأن يظلُّوا أمناء حتى الموت.
الدرس الثالث: أحداث رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة
تاريخ
حدث
90-150
انتشار الغنوسيَّة.
190
القانون الموراتوري يشمل كل أسفار العهد الجديد ماعد العبرانيِّين ويعقوب ورسالتي بطرس.
303-313
حقبة الشهداء تحت حكم دقلديانوس.
313
مرسوم ميلانو الذي أصدره قسطنطين، والذي جعل المسيحيَّة ديانة رسميَّة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة.
شخصيَّات رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة
إيريناوس (130-202 تقريبًا).واحد من أكثر قادة الكنيسة الأولى تأثيرًا. هاجم كتابه "ضد الهرطقات" (Against Heresies) الغنوسيَّة. ساهم في تشكيل القانونيَّة الكتابيَّة وفي عقيدة التجسُّد.
يوستينوس الشهيد (100-165).أهم مدافع مسيحي في التاريخ المبكِّر. استخدم الفلسفة اليونانيَّة في شرح المسيحيَّة لغير المؤمنين.
ماركيون (مات عام 160). ساند صورة من صور الغنوسيَّة. بيَّنت هرطقته لقادة الكنيسة الحاجة إلى تحديد قانونيَّة العهد الجديد.
مونتانوس (مات عام 175 تقريبًا). قائد "الأنبياء الجدد". شدَّد على الحاجة إلى النهضة والانضباط الروحي. كما قدَّم تنبُّؤات نبويَّة ثُبت أنها زائفة.
أوريجانوس (Origen) (185-254) الإسكندريَّة . رغم أنه رفض الغنوسيَّة، إلَّا أنه قَبِل الكثير من الأفكار الفلسفيَّة اليونانيَّة التي ألهمت الفكر الغنوسي. استخدم التفسير المجازي لتفسير الفقرات الصعبة في الكتاب المُقدَّس.
ترتليان (160-225). قائد في الكنيسة في شمال إفريقيا. دافع عن الفكر القويم ضد الموداليَّة (تعليم يقول إن الآب والابن والروح القدس ليسوا أقانيم متميِّزة).
تكليفات خاصة بالدرس
(1)قم بالإجابة عن امتحان هذا الدرس. يشمل الامتحان تواريخ من "أحداث رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة" من خلال الخط الزمني (100-313).
(2) قد بكتابة ملخَّص سيرة واحد من القادة المسيحيِّين التالين: إيريناوس أو ترتليان. ينبغي أن يشمل ملخَّصك أربعة أجزاء:
السيرة: متى عاش؟ أين عاش؟ أين ومتى مات؟
الأحداث: ما هي أهم الأحداث في حياته؟
التأثير: ما هو الشيء الذي ترك به تأثيرًا دائمًا على الكنيسة المسيحيَّة؟
التطبيق: اذكر درسًا واحدًا تتعلَّمه كنيسة اليوم من هذا القائد.
لديك خياران لتقديم هذا الملخَّص:
تقديم ورقة من صفحتين إلى القائد المسؤول عن المجموعة.
تقديم الملخَّص شفويًّا من 3-5 دقائق أمام المشتركين في المجموعة.
أسئلة الدرس الثالث
(1) علَّمت الهرطقة __________ أن المادة شر.
(2) علَّم __________ الهرطقة الدوسيتيَّة.
(3) كان __________ هو "أبو اللاهوت اللاتيني".
(4) كانت "القواعد" الثلاث لقانونيَّة العهد الجديد هي:
___________________
___________________
___________________
(5) في القرن الثاني، قاد __________ حركة دعت للانضباط وجدَّدت التشديد على الروح القدس، ولكنه قال نبوَّات مزيَّفة أفقدت حركته مصداقيَّتها.
(6) جادلت حركة بقيادة __________ بأن الشركة أو المعموديَّة التي قام بها الأساقفة المرتدُّون غير صالحة.
(7) كان __________ قائد في الكنيسة في القرن الثاني وساهم في التأكيد على القانونيَّة وعلَّم بأهميَّة التجسُّد.
(8) في عام 367، كتب الأسقف __________ "رسالة فصحيَّة" ذكرت الأسفار القانونيَّة للعهد الجديد.
SGC exists to equip rising Christian leaders around the world by providing free, high-quality theological resources. We gladly grant permission for you to print and distribute our courses under these simple guidelines:
No Changes – Course content must not be altered in any way.
No Profit Sales – Printed copies may not be sold for profit.
Free Use for Ministry – Churches, schools, and other training ministries may freely print and distribute copies—even if they charge tuition.
No Unauthorized Translations – Please contact us before translating any course into another language.
All materials remain the copyrighted property of Shepherds Global Classroom. We simply ask that you honor the integrity of the content and mission.