بالنسبة لأشخاص كثيرين، توفِّر كاتدرائيَّات مثل نوتردام وتشارتر أكثر الصور التي لا تُنسى في العصور الوسطى. ربما تكون هذه المباني الجميلة أعظم إنجاز فنِّي في هذه الفترة من التاريخ.
تمثِّل الكاتدرائيَّات القوطيَّة أفضل وأسوأ ما في مسيحيَّة العصور الوسطى. من حيث الجانب الإيجابي، تعلن عن جوع عميق لله. كانت الكاتدرائيَّات "لاهوتًا منقوشًا في الحجر"؛ وسيلة للتعبير عن مجد الله في صورة مبنى. في عصر لم يكن بإمكان معظم الناس فيه أن يقرأوا، كانت نوافذ الكاتدرائيَّة المنقوشة تروي قصص الكتاب المُقدَّس بطريقة يفهمها الأشخاص العاديُّون.
على الجانب السلبي، تُظهر التماثيل والمذابح والكنائس الصغيرة ديانة طقسيَّة فقدت حميميَّة العلاقة مع الله. حلَّت الشموع محل الصلاة الشخصيَّة، كما كانت العبادة تتم بلغة يفهمها القليل من الناس، كما أصبح القدَّاس إعادة تمثيل طقسيَّة لموت المسيح ولم يكن للشعب دور فيها (كان مسموحًا للكاهن فقط أن يشرب من كأس خمر الشركة).
في هذا الدرس، سوف ندرس أواخر العصور الوسطى. سوف نرى فساد كنيسة روما الكاثوليكيَّة حيث سعى البابوات وراء السلطة السياسيَّة بدلًا من الواقع الروحي. كما سنرى كيف أقام الله خدَّامًا أمناء وعظوا بحق الإنجيل، ولو جازفوا بحياتهم.
تاريخ
حدث
1054
بداية الانقسام بين الشرق والغرب
1095-1291
الحملات الصليبيَّة
القرنان 12، 13
الفكر السكولاستيكي
القرنان 12، 16
الكاتدرائيَّات القوطيَّة
1309-1417
السبي البابلي والانقسام الكبير
انتشار الإسلام
لا يمكن فهم تاريخ الكنيسة في أواخر العصور الوسطى دون فهم نمو الإسلام. تأثَّرت اثنتان من أصعب القضايا في أواخر العصور الوسطى –الحروب الصليبيَّة والعلاقة المتدهورة بين الكنائس الشرقيَّة والغربيَّة–بقوة بانتشار الإسلام السريع.
وُلد محمد عام 570 تقريبًا. في عام 610، ادَّعى أن الملاك جبرائيل قد أعطاه رسالة من الله، الإله الحقيقي الوحيد. جُمعت هذه الآيات في القرآن وأقام محمد جماعة من الأتباع يُسمُّون المسلمين ("الذين يخضعون"). عُرفت ديانتهم بالإسلام.
عندما طُرد محمد وأتباعه من مكَّة عام 622، انسحبوا إلى المدينة إذ بدأ الكثير من العرب في اتِّباع هذا الدين الجديد. بحلول عام 630، عاد محمد إلى مكَّة منتصرًا.
بعد ذلك، كان انتشار الإسلام سريعًا. بحلول عام 632، عندما مات محمد، كان ثلث الجزيرة العربيَّة مسلمين. بحلول عام 634، كان الإسلام قد استولى على كل شبه الجزيرة العربيَّة. في السنوات العشر التالية، غزت الجيوش الإسلاميَّة سوريا وإيران الحديثة وفلسطين وأجزاء من مصر.
بحلول عام 638، سيطر المسلمون على أورشليم. في عام 690، بنوا قبَّة الصخرة فوق الحجر الذي يدَّعي المسلمون أن محمدًا صعد منه إلى الجنَّة. بحلول نهاية القرن السابع الميلادي، سيطر المسلمون على قرطاج وجزء كبير من شمال إفريقيا. من هناك، بدأت الجيوش الإسلاميَّة في احتلال غرب البحر الأبيض المتوسِّط. في عام 711، قاموا بغزو أوروبا وغزوا إسبانيا والبرتغال. بحلول عام 720، عبرت الجيوش الإسلاميَّة إلى ما يُعرف الآن بفرنسا.
يمكن أن يُنسب انتشار الإسلام إلى عدَّة عوامل:
(1) القوة العسكريَّة. كانت الجيوش الإسلاميَّة مكوَّنة من محاربين مؤثِّرين يقودهم جنرالات أقوياء. فاز الوعد بالخلاص الأبدي بولاء الكثير من الجنود.
(2) العوامل السياسيَّة. في الأيام الأولى، سمح المسلمون ببعض الحريَّة الدينيَّة في المناطق التي احتلُّوها. لهذا السبب، لم تر الكثير من المجتمعات المسيحيَّة التهديد الذي يمثِّله الإسلام. كان هذا صحيحًا بشكل خاص في شمال إفريقيا، حيث استاء الكثير من الناس من الضرائب الباهظة التي فرضها الحكام المسيحيُّون من القسطنطينيَّة على المناطق الواقعة تحت حكمهم.
فيما بعد، بعدما فاز الإسلام بالسيطرة، انتزعوا هذه الحريَّات. واجه الذين وقعوا تحت احتلالهم ثلاثة خيارات: اعتناق الإسلام، أو الموت، أو الغرامات.
(3) العامل اللاهوتي. وجدت الجيوش الإسلاميَّة أن المسيحيَّة في شمال إفريقيا منقسمة بشدَّة. بعد الجدل الأريوسي، تمسَّك الكثير من المسيحيِّين الأفارقة بالتزام ضحل بالكنيسة. كان جزء كبير من المسيحيَّة العربيَّة نسطوري. بالإضافة إلى ذلك، أعطى استخدام الأيقونات مظهر عبادة الأصنام.
بدا التزام الإسلام بالتوحيد أقوى من التزام الكنيسة الإفريقيَّة. استقطبت بساطة عقيدة الله في الإسلام ("يوجد إله واحد") أولئك الذين ارتبكوا بسبب الجدل حول الثالوث.
بعض القُرى لم تقاوم الغزاة حتى، بل حوَّلوا كنائسهم عن طيب خاطر إلى مساجد إسلاميَّة. استغل الإسلام ضعف الكنيسة ليربح جزءًا كبيرًا من شمال إفريقيا.
أوقف تشارلز مارتل (Charles Martel) التوسُّع الإسلامي أخيرًا في معركة تورز عام 732. عانت الكنائس الشرقيَّة والغربيَّة على حدٍّ سواء نتيجة الغزو الإسلامي، لكن الكنيسة الشرقيَّة كانت الأكثر تضرُّرًا. اختفت كنيسة شمال إفريقيا (موطن أوغسطينوس وأثناسيوس وإكليمنضس السكندري). ضاعت الأرض المُقدَّسة. خلال بقيَّة العصور الوسطى، تركَّز النشاط التبشيري بشكل شبه كامل على شمال غرب أوروبا. حقَّق المبشِّرون الغربيُّون نجاحًا ضئيلًا أو معدومًا في التبشير بين المسلمين.
◄ فتح التخبُّط اللاهوتي في كنيسة شمال إفريقيا بابًا للإسلام. ما هو الضعف التعليمي الذي يوفِّر اليوم فرصة للأديان الباطلة في عالمنا؟
الحملات الصليبيَّة
على الرغم من توقُّف توسُّع الإسلام جهة الغرب في معركة تورز عام 732، إلَّا أنه لم يتم بذل أي جهد كبير لاستعادة الأراضي الإسلاميَّة خارج أوروبا الغربيَّة حتى عام 1095. للأسف، كان هذا الجهد جهدًا عسكريًّا وليس تبشيريًّا. كانت الحملات الصليبيَّة عبارة عن سلسلة من الحملات العسكريَّة لمحاولة استعادة الأراضي التي يسيطر عليها المسلمون الآن.
قبل عام 1095، حاربت الجيوش الغربيَّة لطرد المسلمين من المناطق التي يسيطرون عليها في غرب أوروبا. من عام 1095 إلى عام 1291، حاولت الحروب الصليبيَّة استعادة فلسطين من الأتراك المسلمين.
كان هناك دافعان على الأقل للحروب الصليبيَّة: الوصول إلى الأراضي المُقدَّسة والتهديد بمزيد من التوسُّع الإسلامي في الأراضي التي يسيطر عليها الحكَّام المسيحيُّون. اعتقد الكثير من الناس في العصور الوسطى أن يمكنهم كسب عطف الله من خلال الذهاب في رحلة حج إلى أورشليم. بعد عام 638، سيطر المسلمون على أورشليم والطرق المؤدِّية إلى المدينة، وأجبروا الحجَّاج المسيحيِّين على دفع ضرائب عالية للسفر على هذه الطرق.
عندما دعا البابا أوربان الثاني إلى الحملة الصليبيَّة الأولى لتحرير أورشليم من سيطرة المسلمين عام 1095، استجاب الآلاف من الناس. جمع أحد الرهبان، بطرس الناسك، 20 ألف فلاح للقتال. كانوا غير مُدرَّبين وليس لديهم قادة عسكريُّون قادرون. لذلك قُتلوا كلهم. ومع ذلك، في 15 يوليو 1099، استولت الجيوش المُدرَّبة على أورشليم. لم ير بعض الصليبيِّين فرقًا بين المسلمين واليهود، فأحرقوا اليهود أحياء في مجامعهم. أفاد المشاهدون أن الدماء كانت تتدفَّق حتى مستوى الكاحل على جبل الهيكل. في الحملة الصليبيَّة الأولى، كان من الواضح أن الهجمات العسكريَّة قد جاءت بنتائج مختلفة عن نتائج التبشير بالإنجيل.
في عام 1146، دعا برنارد من كليرفو إلى شن حملة صليبيَّة ثانية لمحاربة التهديد الإسلامي لأورشليم. فشلت الحملة الصليبيَّة، واستعاد صلاح الدين أورشليم في عام 1187. قاد الحملة الصليبيَّة الثالثة ملوك فرنسا وإنجلترا جنبًا إلى جنب مع الإمبراطور الروماني المُقدَّس. فشل الصليبيُّون في استعادة أورشليم، لكنهم تمكَّنوا من التفاوض مع صلاح الدين للسماح بالحج إلى أورشليم.
في عام 1198، دعا البابا إنوسنت الثالث إلى الحملة الصليبيَّة الرابعة لاستعادة مصر. لسوء الحظ، هاجم الصليبيُّون القسطنطينيَّة وحاولوا خلع زعيم الإمبراطوريَّة الشرقيَّة. يوم الجمعة العظيمة عام 1204، نهب الصليبيُّون المدينة. لمدَّة ثلاثة أيام، دمَّروا الكنائس، وصهروا أواني الشركة المُقدَّسة الذهبيَّة، واغتصبوا وقتلوا رفقاء مسيحيِّين باسم المسيح. حكم الصليبيُّون من الكنيسة الرومانيَّة ما كان يُعرف بالإمبراطوريَّة الشرقيَّة على مدى الستِّين عامًا التالية. من هذه النقطة، لم تكن هناك إمكانيَّة للم الشمل بين شطري الكنيسة. كان الانقسام بين الروم الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيِّين دائمًا.
كانت الحملة الصليبيَّة للأطفال عام 1212 نقطة سلبيَّة أخرى في الحروب الصليبيَّة. حاول حوالي 100,000 من المراهقين والأطفال شن حملة صليبيَّة. كان متوسِّط عمر هؤلاء "الصليبيِّين" اثني عشر عامًا. فشلت الحملة الصليبيَّة في تحقيق أي هدف عسكري. مات الكثيرون في الرحلة. تم القبض على معظم الناجين وبيعهم كعبيد. انتهت الحروب الصليبيَّة عام 1291 عندما سقطت مدينة عكا (آخر معقل للصليبيِّين في فلسطين) في أيدي المسلمين.
ما هي الآثار الدائمة للحروب الصليبيَّة؟
سياسيًّا، عزَّزت الحملات الصليبيَّة قوة الملوك القوميِّين. في أوائل العصور الوسطى، كان الولاء الأساسي لـ "اللورد" المحلِّي أو مالك الأرض؛ كان للملك تأثير ضئيل أو معدوم على حياتهم. ولكن عندما أقام الملوك الجيوش لمحاربة الحروب الصليبيَّة، أصبح الناس أكثر وعيًا بهويتهم القوميَّة.
عزَّزت الحروب الصليبيَّة بشكل مؤقَّت سلطة الباباوات. ولكن عندما أصبح الملوك أقوى، تقلَّصت سلطة البابا.
يظهر تأثير آخر في العلاقة بين الكنائس الشرقيَّة والغربيَّة. تسبَّبت أعمال الصليبيِّين في القسطنطينيَّة في مرارة دائمة في الشرق. ربما حالت الحروب الصليبيَّة دون إعادة توحيد الكنيسة.
اكتسبت ممارسة صكوك الغفران مكانة بارزة في أثناء الحروب الصليبيَّة. كان بيع صكوك الغفران هو الدافع الأساسي لبنود لوثر الخمسة والتسعين.
حفَّزت الحروب الصليبيَّة على وجود اهتمام جديد بالعالم العربي. تعلَّم ريموند لول (Raymond Lull) اللغة العربيَّة لتبشير المسلمين، وأنشأ كليَّة لتدريب المبشِّرين على الإسلام وكتب حججًا دفاعيَّة لكسب المسلمين، وقد استشهد في شمال إفريقيا.
تظهر الحروب الصليبيَّة، مثل تكوين الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة، نتائج محاولة نشر الإيمان المسيحي بحد السيف بدلًا من قوة إنجيل يسوع المسيح المغيِّرة.
◄ مع صعود الإسلام الراديكالي والإرهاب الإسلامي، أصبحت القضايا التي حفَّزت على الحروب الصليبيَّة مرة أخرى تحتل أخبار الصفحة الأولى في العديد من أنحاء العالم. كيف يجب على المسيحيِّين اليوم أن يتجاوبوا مع تحدِّي الإسلام؟ إذا كنت تعيش في جزء من العالم حيث يمثِّل الإسلام قوة قويَّة، كيف تحاول الكنائس في بلدك الوصول إلى المسلمين من أجل المسيح؟
مسيحيُّون عظماء ينبغي أن تعرفهم: رايموند لول (1235-1315)، مرسل إلى العالم الإسلامي
يُعرف ريموند لول بأنه أول مرسل للمسلمين. في الوقت الذي أثبتت فيه الحروب الصليبيَّة فشلها، بدأ لول حملة محبة. كان يُطلق عليه أحيانًا "أحمق الحب" لقناعته بأن الشعب المسلم يمكن كسبه للمسيح من خلال الحب الحقيقي والمضحِّي. تُظهر خدمة ريموند لول أن الحروب الصليبيَّة لم تكن الرد المسيحي الوحيد على الإسلام.[1]
اهتدى لول في سن الـ 28، بعد حياة شرِّيرة عندما كان شابًّا بالغًا. مثل أوغسطينوس، سعى لول إلى الشعور بالشبع بأسلوب حياة شهواني. بعد اهتدائه، باع لول ممتلكاته، وأعطى المال للفقراء، وقدَّم نفسه بصفته "عبد المسيح".
في سن الأربعين، دُعي لول للعمل المرسلي. لمدَّة تسع سنوات درس اللغة العربيَّة والثقافة والدين الإسلامي. رفض المواقف المعادية للإسلام التي شجَّعتها الحروب الصليبيَّة. لسوء الحظ، بينما كان يحاول تجنيد مبشِّرين آخرين ليذهبوا إلى العالم الإسلامي، لم يجد لول اهتمامًا كبيرًا. في سن الـ 52، قام لول بأول رحلة تبشيريَّة من جنوا بإيطاليا إلى تونس في شمال إفريقيا. هناك جادل مع علماء المسلمين. اعتنق العديد من المسلمين الإيمان بالمسيح. وأمر الملك باعتقال لول وحكم عليه بالإعدام.
بعد استئناف قدَّمه بعض التجَّار، وافق الملك على ترحيل لول بدلًا من إعدامه. ولكن قفز لول من السفينة وعاد إلى تونس. وظل مختبئًا بينما استمر في تلمذة للمهتدين الجدد.
عندما عاد إلى إيطاليا، حاول لول تجنيد مرسلين لكل من المجتمعين المسلم واليهودي. واصل القيام برحلات تبشيريَّة إلى شمال إفريقيا وقبرص وأرمينيا. وكثيرًا ما كان يُضرب، واحتُجز ذات مرة في زنزانة لمدَّة عام ونصف. ولكن حتى هناك، استمر في الوعظ لزملائه السجناء.
في سن الثمانين، سافر لول مرة أخرى إلى الجزائر حيث علَّم في السر لمدَّة عام واحد. أخيرًا، بعد عام، لم يستطع مقاومة فرصة التبشير علنًا، فذهب إلى سوق المدينة ووعظ حتى رجمه الغوغاء بالحجارة. تُوفِّي لول عن عمر يناهز الثمانين عامًا بعد أن أعلن أن "الموت لا يرهب خادم مُخلِص للمسيح يسعى للوصول بالنفوس إلى معرفة الحق". وقد أصر طوال فترة خدمته على التزام من جنَّدهم كمبشِّرين بإمكانيَّة الاستشهاد، وقد عاش لول هذه القناعة عمليًّا.
استمرَّت كتابات لول في التأثير على المبشِّرين للمسلمين حتى بعد وفاته. في أثناء استعداده لعمله التبشيري، علم لول أنه لا يوجد كاتب مسيحي يستجيب لتحدِّيات الفلاسفة المسلمين. فبدأ في الكتابة بغزارة، إذ كتب ما يقرب من ثلاثمئة عمل، رد الكثير منها على اعتراضات الإسلام على الإنجيل.
في دراسته لتاريخ الإرساليَّات، حدَّد تيموثي سي. تينينتTimothy C. Tennentثلاث مساهمات قدَّمها ريموند لول للإرساليَّات،[2]تُعد كل واحدة منها مهمَّة للكرازة المسيحيَّة للمسلمين اليوم.
أدرك لول الآثار طويلة المدى للحروب الصليبيَّة. كان يعلم أن الحملة العسكريَّة ليست الطريقة الأكثر فاعليَّة لإيصال الإنجيل. في عالمنا، يجب على المسيحيِّين ألَّا يسمحوا للقضايا السياسيَّة والعسكريَّة بإعاقة قدرتنا على نشر الإنجيل.
[3]أدرك لول أهميَّة علم الدفاعيَّات للكرازة المسيحيَّة. كان يعلم أن الكرازة الفعَّالة يجب أن تجيب على اعتراضات الإسلام على العقيدة المسيحيَّة. اليوم، يجب على المسيحيِّين أن يواصلوا الرد بعناية على الاعتراضات الإسلاميَّة على العقيدة المسيحيَّة.
التزم لول بجنيد المبشِّرين الآخرين. لقد فهم أن الكرازة في العالم الإسلامي لا يمكن أن تتحقَّق على يد رجل واحد فقط. مثل غيره من المبشِّرين الفعَّالين عبر التاريخ، كان ملتزمًا بتجنيد مبشِّرين آخرين، إذ كرَّس جهوده طوال حياته لتجنيد مبشِّرين آخرين. اليوم، يجب أن نستمر في تجنيد المرسلين. لن تقبل الجماعات التي لم يتم الوصول إليها في الدول الإسلاميَّة الإنجيل إلَّا عندما يكرِّس المسيحيُّون حياتهم لنشر الإنجيل.
[2]Timothy C. Tennent, Invitation to World Missions, (MI: Kregel Publications, 2010), 240-243.
[3]"أرى فرسانًا كثيرين ذاهبين إلى الأرض المُقدَّسة متوقِّعين غزوها بالقوة أو بالسلاح، ولكن بدلًا من تحقيق هذا الغرض، تم اكتساحهم جميعًا في النهاية. بالتالي، أعتقد أن غزو الأرض المُقدَّسة ينبغي ألَّا يتم بأي طريقة إلَّا كما شرع المسيح ورسله أن ينجزوه؛ بالحب، بالصلوات، بالدموع، وبتقديم حياتنا ذبيحة". -ريموند لول
الحاجة إلى إصلاح في كنيسة روما الكاثوليكيَّة
عادة ما يؤرَّخ وقت انتشار حركة الإصلاح بعام 1517، بداية من بنود لوثر الخمسة والتسعين. ولكن لم يبدأ الإصلاح مع ظهور مارتن لوثر. كان الإصلاح تتويجًا لسلسلة من الجهود لعمل النهضة التي نمت خلال القرون الخمسة السابقة للوثر ومعاصريه. أشارت عدَّة عوامل في القرنين الثاني عشر والثالث عشر إلى الحاجة إلى الإصلاح في الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة.
قوة غير محدودة
في الليلة التي سبقت صلبه، غسل يسوع أرجل تلاميذه وقال:
وإذ طالب بهذا النموذج، اتَّخذ البابا جريجوريوس الأول لقب "خادم خُدَّام الله". على النقيض من ذلك، تباهى الباباوات في وقت لاحق بالسلطة. بحلول القرن الثالث عشر، اتَّخذ إنوسنت الثالث لقب "نائب المسيح". وبدلًا من أن يكون خادمًا، رأى نفسه حاكم "العالم كله".
في القرن الحادي عشر، أعلن البابا جريجوريوس السابع أن سلطة البابا سلطة عامة وشاملة، حتى إنه ينبغي على الناس أن ينحنوا للبابا، وأن البابا يتمتَّع بالسلطة لتحرير الرعايا من ولائهم لحاكم أرضي.[2]أعلن جريجوريوس السابع أيضًا أن الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة لم تخطئ أبدًا ولن تخطئ أبدًا.
في القرن الثالث عشر، ادَّعى البابا إنوسنت الثالث أن البابا "وسيط بين الله والإنسان، تحت الله ولكن فوق الإنسان، أقل من الله ولكن أعلى من إنسان".[3]كان هذا بعيدًا عن روح يسوع. لقد أمسك البابا بمقاليد سلطة غير محدودة تقريبًا.
قال إنوسنت الثالث إن البابويَّة تشبه الشمس، أما الملوك فكالقمر. مثلما يتلقَّى القمر نوره من الشمس، هكذا يتلقَّى الملوك سلطتهم من البابا. استخدم الباباوات سلطتهم للسيطرة على السياسة الأوروبيَّة. مع التهديد بالحرمان، تمكَّن الباباوات من إجبار الملوك على الخضوع لحكمهم.
عندما كان أحد الملوك يقاوم أوامر البابا، كان من الممكن تهديد أُمَّة بأكملها بـ "الحرمان"، وإغلاق جميع الكنائس. عندما تكون الأُمَّة تحت حرمان البابا، لم يكن بإمكان الكهنة أداء أي أسرار سوى معموديَّة الأطفال و"مسحة المرض الشديد" للمحتضرين. لا يمكن أداء القداديس ولا يمكن دفن الجثث في أرض مُقدَّسة.
بالنسبة لشعب اعتقد أن الخلاص لا يأتي إلَّا من خلال الكنيسة، كان هذا تهديدًا خطيرًا للغاية. كانوا يعتقدون أن البابا لديه القدرة على جلب اللعنة على كل شخص يعيش تحت حكم ملك يقاوم أوامر البابا. ونتيجة لذلك، كان الشعب ليثور على الملك لإجباره على طاعة البابا. نجح البابا إنوسنت الثالث في تهديد بالحرمان خمس وثمانين مرة لإجبار الحكَّام على الخضوع لأوامره. بحلول القرن الثاني عشر، بدا أن البابا يمتلك سلطة سياسيَّة غير محدودة. كانت سلطة البابا أعظم من سلطة أي ملك.
محاكم التفتيش
تظل محاكم التفتيش واحدة من أحلك النقاط سوادًا في تاريخ الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة. في الكنيسة الأولى، رفضت المجامع المُهرطقين الذين أنكروا الحقائق الأساسيَّة للإيمان المسيحي. في أوائل الحروب الصليبيَّة، استخدم البابا القوة العسكريَّة لمعاقبة من يقاومون المسيحيَّة. بحلول أواخر العصور الوسطى، أطلق الباباوات محاكم التفتيش ضد المسيحيِّين الذين رفضوا أيًّا من تعاليم البابا. لم يكن كافيًا حرمان المُهرطقين؛ أصبح الآن يتم تعذيب وقتل المُتَّهمين بالهرطقة. شنَّ إنوسنت الثالث حملة صليبيَّة قتل فيها "مسيحيُّو" شمال فرنسا الفرنسيِّين الجنوبيِّين المهرطقين.[4]
ظهرت محاكم التفتيش لأول مرة في عام 1184 عندما أمر البابا لوسيوس الثالث الأساقفة بـ "التحقيق" في معتقدات أعضاء كنائسهم. كان يجب حرمان أولئك الذين يُعلِّمون البدع. في عام 1215، دعا البابا إنوسنت الثالث لعقد مجمع للكنيسة في قصر لاتران في روما. وافق مجلس لاتران الرابع رسميًّا على محاكم التفتيش كمؤسَّسة كنسيَّة.
في عام 1220، أعطى البابا قيادة محاكم التفتيش إلى الدومينيكان، وهو نظام ديني ملتزم بالفقر والخدمة والطاعة للكنيسة. في محاكم التفتيش، المُتَّهم بالهرطقة ليست له حقوق. لم يكن هناك قانون مكتوب يوجِّه المحقِّق. كانت المحاكمة سريَّة وكان على المُتَّهم إثبات براءته دون أن يعلم من هم الذين يتَّهمونه. قلَّة من المُتَّهمين تمكَّنوا من توكيل محامين للدفاع عنهم؛ كان المحامون يعرفون أنه قد يتم اتِّهامهم من قِبَل محاكم التفتيش إذا دافعوا عن شخص مُتَّهم بالهرطقة.
في عام 1252، أجاز البابا إنوسنت الرابع التعذيب كأداة لانتزاع اعترافات من المُتَّهمين بالهرطقة. أصبحت محاكم التفتيش وسيلة لتعذيب وقتل أولئك الذين سعوا لإنهاض الكنيسة.
[3]Quoted in Bruce L. Shelley, Church History in Plain Language, 3rd ed. (USA: Thomas Nelson, 2008), 185.
[4]كان الألبيجنسيُّون (Albigenses) مجموعة مهرطقة تشترك في الفكرة الغنوسيَّة التي تقول إن المادة شر. لقد أنكروا أن المسيح كان إنسانًا حقًّا. علَّم الألبيجنسيُّون أن الزواج واللحوم والممتلكات الماديَّة كانت خطيَّة.
علامات الضعف في كنيسة روما الكاثوليكيَّة
حتى عندما اكتسب الباباوات مثل إنوسنت الثالث سلطة غير محدودة، كانت هناك علامات على أن كل شيء لم يكن على ما يرام في الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة. فمثل السرطان الذي ينمو داخل الشخص الذي يبدو ظاهريًّا بصحَّة جيِّدة، كانت هناك علامات متزايدة تنم عن الضعف.
الفلسفة السكولاستيكيَّة (Scholasticism)
تشير السكولاستيكيَّة إلى الطريقة اللاهوتيَّة التي استُخدمت في أواخر العصور الوسطى، وقد سعت إلى التوفيق بين العقيدة المسيحيَّة والعقل البشري. كان الهدف من الفلسفة السكولاستيكيَّة هو تقديم العقيدة الكاثوليكيَّة الرومانيَّة بشكل مُنظَّم ومعقول.
يمكن تقديم المذهب السكولاستيكي إما في القسم الخاص بالقوة المتزايدة للكنيسة الرومانيَّة أو في هذا القسم الخاص بالضعف في الكنيسة. تُظهر الفلسفة السكولاستيكيَّة تركيزًا متزايدًا على الدراسة في الكنيسة (علامة على القوة) واستياءً متزايدًا من سلطة الكنيسة الكاثوليكيَّة (علامة على الضعف). أثار "العلماء" (لاهوتيُّو الحركة السكولاستيكيَّة) أسئلة أدَّت مباشرة إلى الإصلاح.
ظهور الجامعات
في أوائل العصور الوسطى، كان الرهبان الكاثوليك يديرون معظم المدارس. في أواخر العصور الوسطى، كانت الكاتدرائيَّات الكبيرة تدير المدارس. بمرور الوقت، بدأ المعلِّمون فتح المدارس بشكل مستقل عن الكاتدرائيَّات. تطوَّرت هذه إلى جامعات. بحلول القرن الثالث عشر، تم إنشاء جامعات مهمَّة في باريس وأورليانز وكامبريدج وأكسفورد وبولونيا وبادوا.
لم تكن الجامعات الأولى تعارض العقيدة المسيحيَّة، وإنما كانت تعارض سلطة التسلسل الهرمي المطلقة للكنيسة. كانوا يؤمنون (مثل المسيحيِّين في القرون الأولى) أن الكتاب المُقدَّس والعقل ليسا متناقضين. أصبحت الجامعات أقوى مراكز معارضة للسلطة المطلقة للكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة.
أنسيلم أسقف كانتربري (1033-1109)
كان أنسيلم راهبًا بندكتيًّا شغل منصب رئيس أساقفة كانتربري من 1093 إلى 1109. يُعتبر أنسيلم مؤسِّس الفلسفة السكولاستيكيَّة بسبب تركيزه على الفهم العقلاني للفلسفة واللاهوت المسيحي.
[1]طوَّر أنسيلم الحجَّة "الوجوديَّة" لوجود الله، وهي حجَّة لا يزال المدافعون يستخدمونها حتى اليوم. بدلًا من سلطة الكنيسة، لجأ أنسلم إلى العقل. لم يؤمن أنسيلم أن العقل يحل محل الوحي أو الإيمان. تحدَّث عن "الإيمان الساعي للفهم". يعتقد أنسلم أن الإيمان يسبق العقل. لقد استخدم العقل ليفهم بعمق أكثر ما يؤمن به.
أشهر أعمال أنسيلم هي دراسة قام بها عن موضوع التجسُّد:Cur Deus Homo(لماذا أصبح الله إنسانًا). في هذا الكتاب، أوضح أنسلم أهميَّة التجسُّد من خلال إظهار أن الله المتأنِّس وحده هو القادر على تلبية مطالب العدالة بالنسبة لخطايانا.
باستخدام لغة العصور الوسطى الخاصة بالكرامة، كتب أنسيلم أن خطيَّة الإنسان تسيء إلى كرامة الله. يجب استعادة هذه الكرامة من خلال تسديد عقوبة خطايانا. ولكن الترضية اللائقة بالله أكبر مما يستطيع الإنسان دفعه. لا يمكن أن يكفِّر البشر عن الخطيَّة في حق الله. لا يمكننا أبدًا سداد الدين الذي ندين به لله. توصَّل أنسيلم إلى أن الله يجب أن يصبح إنسانًا ليوفِّر الترضية اللازمة عن الخطيَّة.
أدرك أنسيلم أن يسوع (الله المتأنِّس) هو الوحيد الذي يستطيع سداد هذا الدين. فبصفته الله، يستطيع يسوع أن يقوم بتسديد دين خطيَّة الإنسان. وكإنسان، يستطيع يسوع أن يدفع دين البشريَّة بشكل عادل. تُعرف نظريَّة أنسيلم باسم "نظريَّة الترضية" الخاصة بالكفَّارة، وظلَّت طريقة مؤثِّرة جدًّا في شرح عقيدة الكفَّارة.
بيتر أبيلارد (1079-1142)
قضى الفيلسوف وعالم اللاهوت الفرنسي بيتر أبيلارد جزءًا كبيرًا من حياته في الأديرة، وغالبًا ما كان في المنفى بسبب سلطات الكنيسة. أدانت المجامع الكنسيَّة مرتين أبيلارد بالهرطقة.
كانت أكثر كتابات أبيلارد تأثيرًا أطروحة بعنوانSic et Non (نعم أو لا) حيث طرح 158 سؤالًا وأجاب عنها باقتباسات من مصادر سابقة. اقتبس أبيلارد الكتاب المُقدَّس وآباء الكنيسة وحتى الكلاسيكيَّات الوثنيَّة، وقد أظهر أن هذه المصادر غالبًا ما تبدو متناقضة مع بعضها البعض. لم يكن هدف أبيلارد تشويه سمعة الكتاب المُقدَّس أو آباء الكنيسة، بل كان هدفه إظهار أن التسلسل الهرمي للروم الكاثوليك لم يكن السلطة النهائيَّة.
حاول بيتر أبيلارد شرح الكفَّارة مثل أنسيلم أسقف كانتربري. بدلًا من التركيز على مبدأ العدالة الإلهيَّة مثل أنسيلم، جادل أبيلارد بأن الغرض الأساسي من موت المسيح هو إظهار محبة الله للبشريَّة. وإذ رأى الخطاة محبة الله، ينجذبون إلى التوبة. تُعرف نظريَّة أبيلارد بنظريَّة "التأثير الأخلاقي" للكفَّارة، وقد حظيت بشعبيَّة بين اللاهوتيِّين الليبراليِّين.
توما الأكويني (1224-1274)
يُعتبر توما الأكويني أعظم عالم لاهوت في الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة. درس توما الأكويني، مثل أبيلارد، الكتاب المُقدَّس وآباء الكنيسة الأوائل والعلماء غير المسيحيِّين. في تحفتهSumma Theologica(تلخيص المعرفة اللاهوتيَّة)، أظهر الأكويني أن العقل والكتاب المُقدَّس ليسا متعارضين. أعطانا الله الذي أوحى بالكتاب المُقدَّس عقولًا نفهم بها الكتاب المُقدَّس. مثل أنسيلم، قدَّم الأكويني حججًا لإثبات وجود الله.
يتمثَّل أحد الاختلافات الرئيسيَّة بين الأكويني وأبيلارد في أن الأكويني كان يحترم سلطة الكنيسة بشكل أكبر بكثير. كان يعتقد أن الخلاص كان متاحًا فقط من خلال الخضوع لسلطة البابا.
علَّم الأكويني وأتباعه عقيدة الاستحالة. تُعلِّم عقيدة الاستحالة الجوهريَّة أنه في الإفخارستيَّة (الشركة)، يتم تحول الخبز والخمر إلى جسد ودم يسوع المسيح فعليًّا.
علَّم الأكويني عقيدة الروم الكاثوليك الخاصة بالتكفير عن الذنب وقَبِل ممارسة صكوك الغفران. وفقًا للأكويني، كان في متناول يد الكنيسة "خزينة الاستحقاق" (التي بُنيت من خلال عمل المسيح وأعمال القدِّيسين اللاحقين الصالحة). بعد الموت، يذهب الأشرار إلى الجحيم على الفور، أما المؤمنون فيذهبون فورًا إلى السماء. ولكن معظم المسيحيِّين ليسوا أنقياء بما يكفي ليذهبوا فورًا إلى السماء؛ يجب تنقيتهم بنيران المطهر. وفقًا للأكويني، يتمتَّع البابا وكهنته بسلطة صرف "صكوك الغفران" من "خزينة الاستحقاق" لتحرير النفوس من المطهر.[2]
رفض المصلحون ممارسة صكوك الغفران لأن الغفران الذي يقوم على الدفع أو الاستحقاق لا يقوم على النعمة وحدها. في مقابل ادِّعاء البابا بأنه وسيط بين الله والإنسان، تذكَّر المصلحون كلمات الرسول بولس: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ".[3]
"السبي البابلي" و"الانقسام الكبير"
في عام 1300، أعلن البابا بونيفاس الثامن عن عام اليوبيل. أعلن عن صك غفران يضمن العفو عن كل الذنوب بالنسبة لأولئك الذين زاروا كنيستي القدِّيس بطرس والقدِّيس بولس في روما خلال السنة المُقدَّسة.[4]زار الآلاف من الحُجَّاج روما في ذلك العام.
يبدو أن الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة كانت قويَّة. ولكن في غضون ثلاث سنوات، مات بونيفاس بخزي وواجهت الكنيسة قرنًا من الصعوبات. لم يتمتَّع أيٌّ من البابوات مرة أخرى بالسلطة المطلقة التي كان يمارسها إنوسنت الثالث خلال القرن الثالث عشر.
في عام 1296، أصدر بونيفاس وثيقة تهدِّد بالحرمان الكنسي لأي حاكم يفرض الضرائب على رجال الدين. قبل هذا بمئة عام، استخدم إنوسنت الثالث نفس التهديد لإجبار الحكَّام القوميِّين على الخضوع لرغباته. ولكن في السنوات التي مرَّت بين التاريخين، تغيَّرت أوروبا. رفض إدوارد الأول في إنجلترا وفيليب العادل في فرنسا الخضوع لبونيفاس، وهدَّد كلا الملكين بالانتقام، واضطر بونيفاس إلى إلغاء تهديده.
بعد عام اليوبيل الناجح في عام 1300، حاول بونيفاس مرة أخرى أن يمارس سلطته عندما أعلن قائلًا: "من الضروري أن يخضع كل إنسان للبابا الروماني". أجاب أحد وزراء فيليب: "إن سيف الملك مصنوع من الفولاذ، أما سيف البابا فمصنوع من الكلمات". في النهاية تم سجن بونيفاس في غرفة نومه على يد قوَّات الملك ومات ذليلًا. لم يعد إعلان البابا هو الكلمة الأخيرة في السياسة الأوروبيَّة.
كان خليفة بونيفاس (كليمنت الخامس) فرنسيًّا لم تطأ قدمه أرض روما قط. حكم كليمنت والباباوات الستَّة التالون من أفينون بفرنسا. سُمِّيت هذه الفترة المكوَّنة من اثنين وسبعين سنة بـ "السبي البابلي" لأن الناس شعروا أن الكنيسة كانت مثل سجين لدى الملك الفرنسي. في الماضي، كان الإمبراطور الروماني المُقدَّس أداة في يد البابا، الآن أصبح البابا دمية في يد الملك الفرنسي.
في عام 1377، عاد البابا جريجوريوس الحادي عشر إلى روما. ولكن سرعان ما واجهت الكنيسة مشاكل أكبر. ما إن انتهى "السبي البابلي" حتى بدأ "الانقسام الكبير".
تُوفِّي جريجوريوس بعد وقت قصير من عودته إلى روما. اختار الكرادلة البابا الجديد أوربان السادس. في غضون بضعة أشهر، قرَّر الكرادلة أنه كان دكتاتوريًّا للغاية ويجب إزالته. انتخبوا بابا جديدًا، لكن أوربان السادس رفض المغادرة.
لمدَّة تسعة وثلاثين عامًا، حكم البابا أوربان السادس من روما بينما حكم البابا المنافس، كليمنت السابع، من أفينون. ادَّعى كل منهم أنه الخليفة الحقيقي لبطرس. ودارت معارك بين أتباعهما.
بحلول عام 1409، اتفق الكرادلة من كلا المجموعتين على أن الوضع لا يُطاق. وافق مجمع بيزا على استبدال كلا البابوين برجل ثالث؛ ألكسندر الخامس. ولكن رفض البابوان الأصليَّان التنحِّي. الآن أصبح هناك ثلاثة باباوات، كل واحد منهم يدَّعي أنه يملك السلطة على الكنيسة بأكملها. أي شخص سيوافق على أن ثلاثة باباوات هو عدد كبير بالفعل لا لزوم له!
استجابة لهذا الوضع، انعقد مجمع كنسي آخر مؤلَّف من 350 أسقفًا في كونستانس (1414-1418) لإنهاء الانقسام ومحاربة البدع وإصلاح الكنيسة. أقنعوا أحد البابوات بالاستقالة، وعزلوا الاثنين الآخرين، وانتخبوا البابا الجديد مارتن الخامس.
يُظهر السبي البابلي والانشقاق الكبير ضعف الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة قبل الإصلاح. دمَّر الفساد مصداقيَّة الكنيسة قبل وقت طويل من طرح مارتن لوثر لبنوده الخمسة والتسعين. خلقت الكنيسة الرومانيَّة البيئة التي فُهمت فيها اتِّهامات لوثر. وبالفعل خلال أواخر العصور الوسطى، كان الله يعمل على إنعاش المسيحيَّة الكتابيَّة الحقيقيَّة.
أسباب انحدار البابويَّة
ظهور الدول القوميَّة
في أثناء العصور الوسطى، أصبحت الهويَّة القوميَّة أقوى من هويَّة الكنيسة. رفض الملوك الأقوياء ادِّعاءات البابا بأنه يملك سلطة شاملة وعامة. بمرور الوقت، فقد التهديد بالحرمان تأثيره على الناس.
محاكم التفتيش
تسبَّبت الانتهاكات التي وقعت في أثناء محاكم التفتيش في شعور العلمانيِّين بالاستياء.
الشؤون الماليَّة
ظهور طبقة متوسِّطة استاءت من طلبات روما المستمرة للمال، خاصة بما أن البابا يسيطر على ثروة أكبر من معظم الملوك.[5]
الفساد الأخلاقي
رأى الناس أن قيادة الكنيسة قد أصبحت أكثر فسادًا من الناحية الأخلاقيَّة من العلمانيِّين العاديِّين.
الانقسام في الكنيسة
ألحق السبي البابلي والانقسام الكبير العار بالكنيسة في نظر الشعب العادي. لم يعد العلمانيُّون يحترمون الكنيسة كشيء مُقدَّس.
فشل الحركة المجمعيَّة
في الكنيسة الأولى، تم حل الخلافات اللاهوتيَّة من خلال المجامع المسكونيَّة.[6]وأكَّدت المجامع في نيقيَّة والقسطنطينيَّة على العقائد العظيمة للإيمان المسيحي. ولكن بحلول العصور الوسطى، أصبح الباباوات يسيطرون على المجامع. عندما يريد البابا الحصول على سلطة لتعاليمه، كان يدعو إلى عقد مجلس ليختم بالموافقة على قراراته. لم تكن للمجامع سلطة تتجاوز السلطة التي يعطيها لها البابا.
خلال فترة السبي البابلي والانقسام الكبير، قرَّر بعض قادة الكنائس العودة إلى نموذج مجامع الكنيسة. كانوا يعتقدون أن المجمع المستقل عن البابا يمكن أن يجلب الإصلاح للكنيسة. بعد مجمع كونستانس الذي أنهى الانقسام الكبير، وافق الأساقفة على الاجتماع بانتظام لتسوية القضايا داخل الكنيسة. أصبح هذا معروفًا باسم الحركة المجمعيَّة.
كان قادة الكنيسة يأملون أن يقلِّل هذا من مخاطر الفساد من جانب البابا كفرد. ومع ذلك، فشلت الحركة المجمعيَّة، ورفض خليفة البابا مارتن الخامس، البابا يوجين الرابع، قرارات المجمع التالي. بحلول عام 1449، ماتت الحركة المجمعيَّة. مرة أخرى، احتفظ البابا بالسلطة المطلقة في الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة، على الرغم من أن الكنيسة كانت تفقد قوتها في المجتمع.
[1]"أنا لا أسعى أن أفهم لكي أؤمن، لكنِّي أؤمن لكي أفهم. إن لم أؤمن أولًا، لن أفهم". -أنسيلم
[2]بداية من كبريانوس في القرن الثالث، طلبت الكنائس أعمال التوبة لإظهار الحزن الحقيقي على الخطيَّة. سمح صك الغفران للشخص أن يتجنَّب هذه الأعمال الخاصة بالتكفير عن الذنب. بمرور الوقت، أصبحت ذريعة للاستمرار في الخطيَّة. كان الناس يستمرُّون طوعًا في الخطية و"يشترون صكوك الغفران" بدلًا من التوبة والابتعاد عن الخطيَّة.
[4]تكرَّرت ممارسة "صك الغفران الكامل" (العفو الكامل عن كل الذنوب) مقابل زيارة روما خلال "السنة المُقدَّسة" في عام 1975 من قِبَل البابا بولس السادس.
[5]تضمَّن دخل البابا ما يلي: الأملاك التي تمتلكها الكنيسة، العشور، المدفوعات التي يقدِّمها موظَّفو الكنيسة، "حق الغنيمة" (right of spoil)، والذي يعطي الحق للبابا في الحصول على أملاك الأسقف الشخصيَّة في حال وفاته، بيع صكوك الغفران، وعدد كبير من المدخلات والرسوم الأخرى.
[6]المجمع المسكوني هو اجتماع لممثِلين من كل الكنيسة على مستوى العالم أجمع.
تفويت الفرصة لانتشار الإنجيل في الصين
لقد رأينا تأثير اهتداء قسطنطين في روما، وكلوفيس بين الفرنجة، وفلاديمير في روسيا. تُظهر قصة كوبلاي خان كيف ضاعت فرصة تاريخيَّة أخرى للكرازة بسبب سياسات الكنيسة.
في عام 1266، التقى والد ماركو بولو بحاكم المغول كوبلاي خان. طلب الخان مئة راهب لتعليم شعبه. ولكن في القرن الثالث عشر، انغمست الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة في صراع سياسي. كان قادة الكنيسة مهتمِّين بالسلطة أكثر من اهتمامهم بالكرازة. وجد البابا جريجوريوس العاشر ثمانية رهبان فقط لهذه المهمَّة. وعندما أصبحت الرحلة صعبة، عاد هؤلاء الثمانية إلى الوراء. بحلول الوقت الذي وصل فيه المبشِّرون إلى منغوليا بعد عقود، كان الإسلام والبوذيَّة قد رسَّخا قدميهما بقوة هناك. على مدى القرون العديدة التالية، ظلَّ الشعب الصيني أسير هاتين الديانتين الزائفتين.
بشَّر مبشِّر واحد (باتريك) أيرلندا. بسبب شغف باتريك بالكرازة، نشر المبشِّرون الأيرلنديُّون الإنجيل في جميع أنحاء أوروبا الغربيَّة. فكِّر فيما كان يمكن أن يفعله مئة مبشِّر مسيحي في الصين في القرن الثالث عشر!
◄ هل نفقد فرص الكرازة اليوم؟ هل هناك أفراد لم يتم الوصول إليها بين جيرانك؟ قم بزيارة موقع Operationworld.org للتعرُّف على فرص الإرساليَّة اليوم.
الخلاصة: تاريخ الكنيسة يتكلَّم اليوم
لدي صديق يعتقد، بسبب أخطاء الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة، أنه لا يوجد مسيحيُّون حقيقيُّون سبق أن انتموا على الإطلاق إلى الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة. في رأيه، لم يكن الأشخاص الذين كانوا يحضرون العبادة المسيحيَّة من عام 313 إلى عام 1517 مختلفين عن عبدة الأوثان.
إذ نعيش في مجتمع حديث، يصعب أن نفهم كيف كان المسيحيِّين الحقيقيِّين يعبدون جنبًا إلى جنب مع الصليبيِّين الذين قتلوا واغتصبوا مسيحيِّين آخرين. من الصعب تخيُّل مسيحيِّين حقيقيِّين يتلقُّون طعامًا روحيًّا من رجال دين فاسدين. لو كان هذا يحدث معنا لغيَّرنا انتماءنا الكنسي بسرعة!
ولكن لم يكن بمقدور المسيحيِّين في العصور الوسطى تخيُّل إنشاء كنيسة جديدة. أن تكون مسيحيًّا يعني أن تنتمي إلى "كنيسة واحدة، مُقدَّسة، رسوليَّة". حتى أواخر العصور الوسطى، افترض الجميع أن الكنيسة الواحدة الموجودة في القرية جزءًا من تلك الكنيسة الرسوليَّة المُقدَّسة. داخل الكنيسة الواحدة، كانت هناك مجموعة واسعة من المعتقدات اللاهوتيَّة وممارسات العبادة.
أحد الدروس التي نتعلَّمها اليوم هو أن نتشجَّع بأن الله كان له دائمًا شعب! حتى عندما كان جزء كبير من الكنيسة واقعًا تحت عبوديَّة التعاليم الكاذبة، حفظ الله شعبًا مُقدَّسًا. حتى عندما اهتمَّت قيادة الكنيسة الرومانيَّة بالسلطة السياسيَّة أكثر من اهتمامها بالتقوى الروحيَّة، كان هناك أناس جائعون لعلاقة عميقة مع الله وعاشوا حياة مُقدَّسة.
في أحلك أيام العصور الوسطى، عندما كانت الكنيسة الرسميَّة مرتدَّة، وعندما كان الإسلام يغزو مناطق شاسعة من إفريقيا، وعندما كانت هناك أصوات قليلة لصالح الإنجيل، أقام الله رجالًا للحفاظ على كلمته. واليوم، عندما يبدو أن الإسلام والإلحاد الجديد ومعارضين آخرين للمسيح يكسبون معركة الفوز بقلوب هذا الجيل، يجب أن نظل مُخلِصين لكلمة الله. ربما يجهزك الله "لمثل هذا الوقت".
الانقسام الكبير في الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة.
شخصيَّات الرئيسيَّة في تاريخ الكنيسة
بيتر أبيلارد (1079-1143). لاهوتي تابع للمدرسة السكولاستيكيَّة شدَّد على استعمال المنطق في دراسة اللاهوت. وقد طوَّر نظريَّة التأثير الأخلاقي بخصوص الكفَّارة.
أنسلم (1033-1109 تقريبًا). لاهوتي تابع للمدرسة السكولاستيكيَّة ورئيس أساقفة كانتربري. وقد طوَّر حُججًا بخصوص وجود الله ونظريَّة الترضية بخصوص الكفَّارة.
توما الأكويني (1225-1274). أعظم لاهوتيِّي المدرسة السكولاستيكيَّة في العصور الوسطى؛ حاول أعظم أعماله، "الخلاصة اللاهوتيَّة" (The Summa Theologiae)، أن يدمج اللاهوت المسيحي وفلسفة أرسطو اليونانيَّة.
إنوسنت الثالث (1161-1216).واحد من أكثر البابوات سلطة في التاريخ. ادَّعى السلطة على كل الحكَّام العلمانيِّين.
تكليفات خاصة بالدرس
(1) قم بالإجابة عن امتحان هذا الدرس. يشمل الامتحان تواريخ من "أحداث رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة" من خلال الخط الزمني (1054-1517).
(2) قم بكتابة ملخَّص سيرة واحد من القادة المسيحيِّين التالين: فرانسيس الأسيزي، أو برنارد من كليرفو، أو توما الأكويني. ينبغي أن يشمل الملخَّص أربعة أجزاء:
السيرة: متى عاش؟ أين يعيش؟ متى وأين مات؟
الأحداث: ما هي أهم الأحداث في حياته؟
التأثير: ما الذي فعله وكان له تأثيرًا دائمًا على الكنيسة المسيحيَّة؟
التطبيق: اذكر درسًا واحدًا تتعلَّمه الكنيسة اليوم من حياة هذا القائد.
لديك خياران لتقديم هذا الملخَّص:
تقديم ورقة من صفحتين إلى القائد المسؤول عن المجموعة.
تقديم الملخَّص شفويًّا من 3-5 دقائق أمام المشتركين في المجموعة.
أسئلة الدرس السابع
(1) ما القضيَّتان اللاهوتيَّتان اللتان ساهمتا في نجاح الإسلام في شمال إفريقيا؟
(2) أوقف __________ التوسُّع الإسلامي في أوروبا في معركة تورز عام 723.
(3) قاتل الصليبيُّون من _______ إلى _______.
(4) ادَّعى البابا __________ في القرن الثالث عشر أن البابا كان "أقل من الله، ولكن أعلى من الإنسان".
(5) كانت __________ هي نظام الروم الكاثوليك للعثور على المُتَّهمين بالهرطقة ومعاقبتهم في أواخر العصور الوسطى.
(6) طوَّر اللاهوتي السكولاستيكي __________ نظريَّة الترضية الخاصة بالكفَّارة في كتابه عن التجسُّد.
(7) طوَّر بيتر أبيلارد نظريَّة __________ عن الكفَّارة.
(8) يُعتبر __________ أعظم اللاهوتيِّين في الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة، وقد قام بتدريس عقيدتي الاستحالة وصكوك الغفران.
(9) تُسمَّى السنوات 1305-1377 __________ لبابويَّة كنيسة روما الكاثوليكيَّة.
(10) خلال __________، ادَّعى ثلاثة باباوات أن لهم السلطة على الكنيسة.
SGC exists to equip rising Christian leaders around the world by providing free, high-quality theological resources. We gladly grant permission for you to print and distribute our courses under these simple guidelines:
No Changes – Course content must not be altered in any way.
No Profit Sales – Printed copies may not be sold for profit.
Free Use for Ministry – Churches, schools, and other training ministries may freely print and distribute copies—even if they charge tuition.
No Unauthorized Translations – Please contact us before translating any course into another language.
All materials remain the copyrighted property of Shepherds Global Classroom. We simply ask that you honor the integrity of the content and mission.