بنهاية هذا الدرس، ينبغي أن يكون الطالب قادرًا على:
(1) تقدير أهميَّة فهم تاريخ الكنيسة.
(2) فهم كيف اختلفت الكنيسة الأولى عن بيئتها الرومانيَّة.
(3) إدراك أسباب نمو واضطهاد الكنيسة الأولى.
(4) تطبيق الدروس من الكنيسة الأولى على الحياة في عالم اليوم.
لماذا ندرس تاريخ الكنيسة؟
يذكِّرنا تاريخ الكنيسة بماضينا
كان إيسون مراهق مسيحي متفائل يعيش في تايوان. عندما شارك إيسون الإنجيل مع أحد جيرانه، الذي كان كبير السن، رد الرجل: "ثقافتنا الصينيَّة ثقافة قديمة. وقد عُرفت المسيحيَّة في الصين لوقت قصير فقط. لماذا تستبدل آلهتنا القديمة بديانة جديدة؟" عندما بدأ إيسون يبحث عن إجابة يرد بها على جاره، وجد أن المسيحيَّة ليست جديدة –حتى بالنسبة للصين. في حين عرف جار إيسون فقط عن الإرساليَّات الحديثة، إلَّا أن رسالة المسيحيَّة كانت معروفة في الصين منذ عام 635 ميلاديًّا على الأقل.
بدراسة تاريخ الكنيسة، نتعلَّم أن المسيحيَّة ليست ديانة جديدة. ونبدأ نقدِّر انتشار الكنيسة حول العالم، إذ نرى كيف عمل الله في التاريخ، وندرك أنه برغم فشل الإنسان، إلَّا أن الله حقَّق مقاصده لأجل كنيسته.
تاريخ
حدث
30 تقريبًا
يوم الخمسين
47-57 تقريبًا
رحلات بولس التبشيريَّة
49
مجمع أورشليم
64-68
اضطهاد نيرون
70
خراب أورشليم
يتكلَّم تاريخ الكنيسة إلى حاضرنا
عندما نفهم جذورنا التاريخيَّة، يصبح لدينا فهم أفضل للحاضر. كُتبت رسالة يهوذا لتحذِّر من المعلِّمين الكذبة الذين "يُحَوِّلُونَ نِعْمَةَ إِلَهِنَا إِلَى الدَّعَارَةِ، وَيُنْكِرُونَ السَّيِّدَ الْوَحِيدَ: اللهَ وَرَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ".[1]يحذِّر يهوذا من المخاطر الحالية بالإشارة إلى الماضي: نعمة الله ليخلِّص إسرائيل من مصر، دينونة الله على سدوم وعمورة، إلخ. يهوذا يعرف أن أمثلة الماضي تعمل كتشجيع على الأمانة اليوم وكتحذير من عدم الأمانة.
عندما ندرس صياغة قوانين الإيمان[2]في تاريخ الكنيسة الأولى، نقدِّر بصورة أعمق تصريحاتنا العقائديَّة اليوم. عندما يصارع المسيحيُّون الشباب ليفهموا عقيدة الثالوث، فإنهم يواجهون نفس الأسئلة التي واجهتها الكنيسة في مجمع نيقيَّة في عام 325.
عندما ندرس الإصلاح والانقسامات بين المصلحين، نفهم السر في وجود الكثير من الطوائف اليوم. غالبًا ما يمكننا أن نفهم المشكلات في الكنيسة اليوم برؤية مواقف شبيهة في الماضي.
تلهمنا دراسة تاريخ الكنيسة في أوقات الصعوبات. تلهمنا القراءة عن شجاعة أمبروز في مواجهة الإمبراطور ثيودوسيوس، وتذكُّر مقولة لوثر "وهنا أنا أقف"، ودراسة شغف وليام كاري (William Carey) من نحو الإرساليَّة اليوم في الخدمة.
يوجِّه تاريخ الكنيسة مستقبلنا
ينبغي أن توجِّه الدروس التي نتعلَّمها من تاريخ الكنيسة قراراتنا بالنسبة للمستقبل. قال جورج سانتيانا (George Santayana): "أولئك الذين لا يقدرون أن يتذكَّروا الماضي محكوم عليهم بتكراره". إذا لم نتعلَّم من الماضي، سوف نكرِّر الأخطاء التي وقع فيها الآخرون. استخدم بولس دروسًا من تاريخ إسرائيل ليوجِّه حديثي الإيمان في كورنثوس.[3]
[4]وإذ ندرس رد فعل الكنيسة الأولى تجاه الهرطقات، نتعلَّم كيف نرد على الهرطقات التي تهدِّد الكنيسة اليوم. معظم الهرطقات اليوم عبارة عن نسخ جديدة من هرطقات الماضي. وإذ ندرس الرسميَّة الفارغة في كنيسة روما الكاثوليكيَّة في العصور الوسطى، نتحذَّر من السماح لتنظيم الكنيسة بأن يحل محل حضور الله في الكنيسة اليوم. وإذ ندرس نجاحات وإخفاقات الإرساليَّات الماضية، نتعلَّم دروسًا لأجل جهود التبشير في المستقبل. تعلِّمنا دراسة تاريخ الكنيسة دروسًا لتساعدنا في المستقبل.
◄ ما هي بعض الدروس التي تتعلَّمها من تاريخ المسيحيَّة في بلدك والتي يمكن أن ترشدك في قيادة الكنيسة اليوم؟
[2]قانون الإيمان هو تصريح رسمي عن المعتقدات. تضم قوانين الإيمان المسيحيَّة قانون إيمان الرسل وقانون الإيمان النيقاوي وقوانين إيمان أخرى وافقت عليها مجامع الكنيسة.
[4]يعطينا التاريخ نافذة نرى منها العالم ومرآة نفحص بها أنفسنا. -روبرت ماكنزي
مبادئ دراسة تاريخ الكنيسة
في دراسة "لنقاط التحوُّل" الرئيسيَّة في تاريخ الكنيسة، يقدِّم مارك نول (Mark Noll) أربعة مبادئ ينبغي أن ترشدنا عندما ندرس تاريخ المسيحيَّة. وهذه المبادئ مستَمدَّة من كلمات يسوع لتلاميذه في متى 28 وأعمال الرسل 1.[1]
(1) مبدأ السيادة
"دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ". يعلِّمنا مبدأ السيادة أن الله هو المتحكِّم وأنه يتمِّم مقاصده في، ومن خلال، الكنيسة.
(2) مبدأ الإرساليَّة
"فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ". يعلِّمنا مبدأ الإرساليَّة أن الكنيسة تنمو في اتجاهين. تنمو الكنيسة خارجيًّا إذ تأخذ الإنجيل إلى كل الأمم. تنمو الكنيسة داخليًّا إذ تتعلَّم التلمذة الحقيقيَّة وتتشكَّل على صورة المسيح.
(3) مبدأ التمكين
"وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". يذكِّرنا مبدأ التمكين بأنه رغم سقطات الكنيسة، يستمر المسيح في العمل في الكنيسة ليحقِّق إرساليته في العالم.
(4) مبدأ مسايرة السياق الثقافي
"وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا... إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ". يعلِّمنا مبدأ مسايرة السياق الثقافي في السياق أن الإنجيل يخص كل الثقافات. لم يخص الإنجيل الكنيسة في أورشليم فحسب أو الكنيسة في إنجلترا، أو الكنيسة في أمريكا فحسب. وإذ ينتشر الإيمان المسيحي إلى كل الأمم، يؤثِّر على كل الثقافات. يبيِّن تاريخ المسيحيَّة أن الإنجيل ينبغي أن يُترجم، من كل من الناحية اللغويَّة والثقافيَّة، لأجل كل الأمم.
◄ كيف يوضِّح تاريخ المسيحيَّة في بلدك هذه المبادئ؟ بينما تدرس هذه المادة، عُد إلى هذه الصفحة باستمرار لترى كيف تظهر هذه المبادئ في كل فترة من تاريخ الكنيسة.
[1]Mark A. Noll, Turning Points: Decisive Moments in the History of Christianity (MI: Baker, 2012), 1, 330-331.
من أورشليم إلى أقصى الأرض
[1]أخبر يسوع تلاميذه: "لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ".[2]تمتد الأماكن الممثَّلة في يوم الخمسين عبر الكثير من مناطق الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، وقد أخذ هؤلاء المهتدون الجدد الإنجيل وهم عائدون إلى أوطانهم. بنهاية القرن الأول، كانت الكنيسة قد انتشرت في جميع أنحاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. يقول تقليد الكنيسة إن توما أخذ الإنجيل إلى فراس والهند. ربما تكون الصين قد قبلت الإنجيل في أثناء القرن الأول أو الثاني من خلال التجارة مع الهند.[3]لقد كانت الكنيسة الأولى ملتزمة بتكليف يسوع.
من كان المسيحيُّون؟
بعد القيامة، كانت هناك إجابات كثيرة عن السؤال "من هم المسيحيُّون؟" أجابت روما: "المسيحيُّون عبارة عن طائفة يهوديَّة".[4]أجاب يهود كثيرون: "المسيحيُّون مرتدُّون تركوا الإيمان الحقيقي". أجاب المسيحيُّون: "نحن تتميم وعود الله لإسرائيل. نحن أتباع المسيَّا الموعود".
في عام 49 ميلاديًّا، واجهت الكنيسة الأولى السؤال "من هم المسيحيُّون؟" في مجمع أورشليم. بينما تم إدخال الأمم إلى الكنيسة من خلال وعظ بطرس وبولس وبرنابا والرسل الآخرين، ناقشت الكنيسة الشروط التي يصبح بها المرء جزءًا من جسد المسيح. جادل بعض المؤمنين "الذين كانوا ينتمون إلى حزب الفريسيِّين" بأنه ينبغي على المؤمنين الأمم أن يحفظوا كل متطلبات الناموس الموسوي. رد بطرس بشهادته بأن الله قد طهَّر "بالإيمان قلوبهم" بعيدًا عن الختان. في النهاية، قرَّر قادة الكنيسة أن المؤمنين الأمم أحرار من شرائع تناول الأكل اليهوديَّة ومن الختان.[5]
قدَّم مجمع أورشليم النموذج الواجب اتِّباعه بخصوص اتخاذ القرارات فيما بعد في الكنيسة. وبينما واجهت الأجيال اللاحقة مشاكل صعبة، أظهر الأصحاح الخامس عشر من سفر أعمال الرسل:
سلطة الكتاب المُقدَّس. تأتي كل النواهي المذكورة في أعمال الرسل 15 من لاويين 17-18. وقد تم منع كل واحدة منها على اليهود و"الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ فِي وَسَطِكُمْ".[6]لم يختر الرسل هذه المتطلبات عشوائيًّا. لقد درسوا الكتاب المُقدَّس ليكتشفوا أن الناموس يطالب الأمم بالعيش في إسرائيل.
سلطة الروح القدس. لم يسترشد قرار مجمع أورشليم بالثقافة المحيطة، بل بالروح القدس.[7]في أفضل حالاتها كانت الكنيسة تخضع لقيادة الروح القدس وليس الضغوط السياسيَّة والثقافيَّة. عندما فشلت في اتِّباع هذا النموذج، فشلت الكنيسة في القيام بدعوتها لتكون نورًا وملحًا في العالم.
سلطة قادة الكنيسة. يخضع قادة الكنيسة لسلطان الروح القدس، ولكن إذا لم يتعارض تعليمهم مع الكتاب المُقدَّس، ينبغي احترام سلطانهم.
بنهاية القرن الأول، أصبح المسيحيُّون يُرَوْن على أنهم شيء منفصل عن اليهود. لم يعد اليهود يسمحون للمسيحيِّين بالعبادة في المجامع. قام المسيحيُّون بالعبادة في اليوم الأول من الأسبوع وليس في اليوم السابع منه. لم يَعُد يُنظر إلى المسيحيَّة على أنها طائفة يهوديَّة.
بداية الاضطهاد
يبيِّن سفر أعمال الرسل بوضوح الصراع بين القادة اليهود والكنيسة. ولكن لم تبدأ الإمبراطوريَّة الرومانيَّة اضطهادًا على نطاق واسع ضد المسيحيِّين حتى عام 64 ميلاديًّا.
سمحت روما للناس تحت سيادتها بعبادة أي إله طالما اعترفوا بألوهيَّة أو قُدسيَّة الإمبراطور الروماني. بالنسبة لمعظم الناس في القرن الأول، لم تكن هذه مشكلة. فقد عبد معظم الوثنيُّون العديد من الآلهة. وكان اليهود والمسيحيُّون وحدهم هم من يؤمنون بالتوحيد.
للحفاظ على السلام في المقاطعة اليهوديَّة، سمح الرومان لليهود بعبادة يهوه وحده. عندما كان الحكَّام الرومان يرون المسيحيَّة كجزء من الإيمان اليهودي، أعطوا المسيحيِّين نفس الحريَّة في العبادة التي نالها اليهود. ولكن بعد عام 64 ميلاديًّا، بدأت روما ترى المسيحيَّة كديانة منفصلة ولم تمنحها الإعفاء من عبادة الإمبراطور.
لعب حدثان دورين كبيرين في اضطهاد المسيحيِّين؛ أولهما في عام 64 ميلاديًّا، أحرقت النيران جزء كبير من مدينة روما. اتَّهم الكثير من المواطنين الإمبراطور نيرون بالتسبُّب في الحريق، واتَّهم نيرون المسيحيِّين (الذين كانوا غير محبوبين بالفعل) بإشعال الحريق. بدأ هذا الحدث فترة من الاضطهاد الحاد. ما بين عام 64 ميلاديًّا ووفاة نيرون بعدها بأربع سنوات، استشهد بولس وبطرس ومسيحيُّون كثيرون آخرون على يد الرومان.
الحدث الثاني الذي أدَّى إلى اضطهاد المسيحيِّين كان خراب أورشليم في عام 70 ميلاديًّا. رغم أن روما كانت متسامحة مع الإيمان اليهودي، إلَّا أنه كانت هناك حالة كبيرة من التوتُّر الدائم بين اليهود وروما. بعد اكتمال إعادة بناء الهيكل في عام 64 ميلاديًّا، كان هناك الآلاف من العمَّال اليهود بدون عمل. تنامى شعور بالاستياء وتطوَّر حتى أصبح ثورة في عام 66 ميلاديًّا. بعدها بأربع سنوات، غزا الجيش الروماني بقيادة تيطس أورشليم بعد حصار طويل. تم تدمير الهيكل، وإحراق المجامع، وتشتُّت اليهود. بداية من هذه النقطة، تعرَّض كلٌّ من اليهود والمسيحيِّين للاضطهاد في جميع أنحاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة.
لماذا تعرَّض المسيحيُّون للاضطهاد؟
(1) اتُّهم المسيحيُّون بالإلحاد.
لم تقدر روما أن تفهم ديانة تعبد إلهًا بلا صور ويرفض آلهة الشعب الروماني. في نظرهم، كان المسيحيُّون واليهود ملحدين، شعبًا بدون إله.
كان "الإلحاد" أكثر من مجرَّد إهانة دينيَّة للرومان؛ كانوا يرونه إهانة سياسيَّة. كان الرومان يؤمنون أن الآلهة تحمي إمبراطوريتهم. وكان رفض تقديم الذبائح إلى الآلهة يعرِّض إمبراطوريتهم للخطر. في القرن الثاني، كتب ترتليان: "إذا فاض نهر التايبر وأغرق المدينة، أو إذا رفض النيل أن يفيض، أو إذا منعت السماء مطرها، أو إذا كان هناك زلزال أو مجاعة أو وبأ، على الفور ترتفع الصرخة: ’ألقوا بالمسيحيِّين إلى الأسود‘".[8]
وحَّدت روما الإمبراطوريَّة من خلال كل من عبادة الأوثان وعبادة القيصر. بالنسبة للرومان، كان المسيحيُّون الذين رفضوا إكرام الإمبراطور بصفته إلهًا أشخاص غير وطنيِّين. كانت روما مستعدَّة أن تسمح للمسيحيِّين بعبادة المسيح طالما كانوا يعبدون قيصر أيضًا ويقولون: "قيصر رب". ولكن بالنسبة للمسيحيِّين كان هناك رب واحد فقط. ضحَّى المؤمنون في الكنيسة الأولى بحياتهم من أجل قناعتهم بأن يسوع –ويسوع وحده– هو الرب.
(2) أُسيء فهم العادات المسيحيَّة.
تكلَّم المسيحيُّون عن أكل وشرب جسد ودم يسوع، وأشاروا إلى بعضهم البعض "كإخوة وأخوات". لم يسمحوا لغير المؤمنين بالبقاء في الخدمة عندما كان يتم تقديم الشركة [عشاء الرب –المترجم]. أدَّى كل هذا إلى شائعات كاذبة تدور حول تقديم ذبائح بشريَّة وسلوك شهواني.
(3) كانت المسيحيَّة ديانة جديدة.
في العالم اليوم، يؤمن أشخاص كثيرون بأن "الأحدث أفضل". ولكن في العالم القديم، كان العكس هو الصحيح؛ آمن الرومان بأن "الأقدم أفضل". كانوا متسامحين مع الديانة اليهوديَّة لأنها كانت قديمة. لكن الإيمان المسيحي كان يُعتبر دينًا جديدًا بلا ذبائح ولا هياكل ولا مدينة مُقدَّسة.
(4) تحدَّى المسيحيُّون الهيكل الاجتماعي.
في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، كانت العبوديَّة مقبولة كشيء طبيعي. لم يكن للنساء ولا الأطفال أيَّة حقوق. كانت سلطة الأب مطلقة؛ إذا لم يرد الأب ابنه، كان يترك الطفل غير المرغوب فيه على كومة النفايات ليموت.
في المقابل، قال المسيحيُّون إنه في المسيح لا يوجد عبد وحر، ذكر وأنثى.[9]أنقذ المسيحيُّون الأطفال الذين تخلَّى عنهم أبواهم وقاموا بحماية المساكين. لم يكن لهذا معنى بالنسبة للرومان. بالنسبة إليهم، كانت الحقوق من حق القوي؛ أما المسيحيُّون فقاموا بحماية المساكين.
◄ رفض المسيحيُّون الأوائل العادات الثقافيَّة التي فشلت في تقدير قيمة صورة الله في الإنسانيَّة. ما هي العادات الموجودة في ثقافتك والتي تحط من قدر الحياة البشريَّة؟ كيف يصارع المسيحيُّون في ثقافتك مع هذه العادات الخاطئة؟
لماذا انتشرت المسيحيَّة؟
(1) كان معدَّل نمو الكنيسة الأولى معجزة بحق.
من حفنة من التلاميذ وقت القبض على يسوع، انتشر الإنجيل حتى أصبح في كل مدينة كبيرة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة كنيسة. كيف حدث هذا؟
كانت الكنيسة الأولى تتحرَّك بقوة الروح القدس. أوصى يسوع تلاميذه قائلًا: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ ..."، كما وعدهم أيضًا: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ".[10]الله الذي أوصى الرسل بتبشير العالم هو نفسه الذي منحهم القوة ليبشِّروا.
نرى هذا مرة أخرى في بداية سفر أعمال الرسل. أولًا، أعطاهم يسوع الوعد، "لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ..."، ثم كلفهم قائلًا: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ".[11]تبيِّن بقيَّة سفر أعمال الرسل تتميم الوعد وطاعة الرسل للوصيَّة. لم يكن نمو الكنيسة الأولى نتيجة الجهود البشريَّة وحدها؛ كان نمو الكنيسة الأولى بقوة الروح القدس.
(2) كانت الكنيسة الأولى ملتزمة بالمأموريَّة العظمى.
كتب بولس إلى المسيحيِّين الرومان: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ...".[12]أخذ الرسل تكليف يسوع لهم على محمل الجد. انتشرت الكنيسة عبر أرجاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة بينما أطاع المسيحيُّون تكليف يسوع.
يبيِّن سفر أعمال الرسل تتميم الكنيسة للتكليف العظيم. بجوار خدمة القادة العظام مثل سمعان بطرس وبولس، يسجِّل سفر الأعمال تأثير مؤمنين غير معروفين على نفس المستوى. نتيجة الاضطهاد الذي تفشَّى ضد الكنيسة بعد موت استفانوس، هرب المؤمنون إلى فينيقية وقبرص وأنطاكية. بدأ بعض ممَّن هربوا في التبشير لليونانيِّين في أنطاكية، "فَآمَنَ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَرَجَعُوا إِلَى الرَّبِّ".[13]ربما شكَّل هؤلاء المؤمنون الجدد نواة الكنيسة في أنطاكية والتي ستكون لاحقًا الكنيسة التي قامت بإرسال بولس للخدمة بين الأمم.
تُعتبر هذه الآيات في أعمال الرسل 11 آيات بارزة لسببين:
(1) تبيِّن أن الله استخدم الاضطهاد كسبب لتقدُّم انتشار الإنجيل.
(2) تبيِّن أن التبشير غير قاصر على الرسل وقادة أورشليم. فقد أطاع "رِجَالٌ قُبْرُسِيُّونَ وَقَيْرَوَانِيُّونَ"، لم تُذكر أسماؤهم، التكليف العظيم. التبشير هو مسؤوليَّة كل مؤمن.
(3) خدمت الكنيسة الأولى عالمها.
كان يسوع هو نموذج الخدمة إذ لم يعلن فقط الحياة الأبديَّة، بل وكذلك سدَّد الاحتياجات اليوميَّة لمن خدمهم. اتَّبعت الكنيسة الأولى مثال حياة سيِّدها. جاء الكثير من أوائل المهتدين من طبقات كان المجتمع الروماني يتجاهلها –العبيد، والنساء، والمساكين. سخر كلسوس (Celsus)، ناقد من القرن الثاني، من الكنيسة: "فهدفهم هو فقط إقناع المزدرى ومن لا قيمة لهم، الحمقى، العبيد، النساء الفقيرات، والأطفال". بينما تجاهل كلسوس الدليل على أن أعضاء من الطبقة العليا قد أصبحوا مؤمنين هم أيضًا، إلَّا أن ملاحظته كانت صحيحة إلى حدٍّ كبير؛ لقد كان المساكين هم أكثر من قبلوا الإنجيل.
كان الإمبراطور جوليان المرتد من القرن الرابع، عدوًّا لدودًا للكنيسة. ولكن حتى عدو المسيحيَّة هذا اعترف بأن المسيحيَّة "قد تقدَّمت من خلال الخدمة المُحبَّة التي قُدِّمت للغرباء ... إنها فضيحة أنه لا يوجد شحاذ يهودي واحد، وأن هؤلاء الجليليِّين الملحدين (المسيحيِّين) لا يعتنون فقط بمساكينهم، بل وبمساكيننا أيضا".[14]لقد أطاع المسيحيُّون وصيَّة يسوع بمحبة القريب كأنفسهم.
(4) تحدَّت الكنيسة الأولى الهيكل الاجتماعي الروماني.
عارض بعض الرومان الكنيسة لأن الكنيسة تحدَّت هيكلهم الاجتماعي، ولكن انجذب آخرون إلى الكنيسة لهذا السبب عينه. لم يكن للنساء ولا الأطفال ولا العبيد أيَّة حقوق في الهيكل الاجتماعي الروماني، أما الكنيسة فتعاملت مع هذه المجموعات باحترام.
وصف أحد الكُتَّاب الوثنيِّين دور النساء بهذه الطريقة: "لدينا عاهرات للمتعة، عبيد من النساء للاستعمال الجنسي اليومي، وزوجات لولادة أطفال شرعيِّين وليخدمنَّا بأمانة".[15]مقابل هذه النظرة، اتَّبع المسيحيُّون نموذج حياة سيِّدهم في تكريم المرأة.
(5) قدَّمت الكنيسة نموذجًا يُحتذى به في الطهارة الأخلاقيَّة.
شعر أمميُّون كثيرون أيضًا بالامتعاض من الفساد الأخلاقي في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. وانجذبوا إلى الإيمان المسيحي بسبب مُثُله الأخلاقيَّة العليا وحياة المسيحيِّين البارة. تحدَّى بولس المسيحيِّين من أهل فيلبي بأن يعيشوا حياة بلا لوم، ليكونوا "بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ". وبفعلهم هذا "[يُضيئون] بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ".[16]وإذ رأى شعب الإمبراطوريَّة الرومانيَّة حياة المسيحيِّين الأوائل التي بلا لوم، انجذبوا إلى الإنجيل.
◄ قارن التحدِّيات والفرص التي واجهتها الكنيسة الأولى بالمجتمع الذي تخدم فيه. كيف تتناقض الكنيسة مع الجوانب الطبيعيَّة في ثقافتك؟ ما هي الفرص التي منحها لك الله لأجل انتشار الإنجيل في مجتمعك؟
[1]ما من شعب، يوناني كان أو بربري، أو من أي عرق آخر، سواء كانوا يسكنون في الخيام أو يتجوَّلون في عربات مغطَّاة، لم يتم تقديم الصلوات والتشكُّرات بينهم باسم يسوع المصلوب إلى الآب وخالق كل الأشياء. - يوستينوس الشهيد،
150 ميلاديًّا تقريبًا
مسيحيُّون عظماء ينبغي أن تعرفهم: إغناطيوس أسقف أنطاكية (35-110 تقريبًا)
أولى الكتابات المسيحيَّة الباقية بعد العهد الجديد هي سبع رسائل كتبها إغناطيوس في طريقه ليستشهد في روما. ثلاث رسائل موجَّهة إلى كنائس مذكورة في سفر الرؤيا (أفسس وفيلادلفيا وسميرنا). وهناك رسائل أخرى موجَّهة إلى كنائس في روما وترال وماغنيسيا، ورسالة شخصيَّة مرسلة إلى بوليكاربوس، أسقف سميرنا.
نشأ إغناطيوس[1]في أنطاكية في سوريَّة، وهي ثالث أكبر مدينة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. في أنطاكية دُعي المؤمنون لأول مرة مسيحيِّين.[2]كلَّفت كنيسة أنطاكية بولس وبرنابا بالقيام برحلتهما التبشيريَّة الأولى بينما كان إغناطيوس ما يزال شابًا.
في عام 69 ميلاديًّا، تم اختيار إغناطيوس راعيًا للكنيسة في أنطاكية بعد موت إفوديوس. اهتدى إفوديوس إلى المسيح من خلال خدمة سمعان بطرس ومن المرجَّح أنه مات شهيدًا في أثناء حكم نيرون. لا نعرف سوى القليل عن خدمة إغناطيوس في أنطاكية حتى القبض عليه. المعروف هو أن أنطاكية استمرت ككنيسة ترسل المرسلين طوال الفترة الباقية من القرن الأول. اشتهرت الكنيسة في أنطاكية بكرم الضيافة مع المسيحيِّين المسافرين. قيل إن لا أحد كان غريبًا في أنطاكية؛ كان كل مؤمن مسافر مُرحَّبًا به كجزء من العائلة المسيحيَّة.
تم إلقاء القبض على إغناطيوس في أثناء حكم الإمبراطور تراجان. كان تراجان مسافرًا عبر أسيا الصغرى حين سمع أن إغناطيوس كان يحقِّق نجاحًا عظيمًا في التبشير في أنطاكية. تم إحضار إغناطيوس أمام تراجان واتِّهامه "بالإلحاد"، أي إنكار الآلهة الرومانيَّة.
عندما وقف إغناطيوس أمام تراجان، انتهز الفرصة ليبشِّر بالإنجيل. عندما سأل تراجان عن دفاع إغناطيوس، رفض إغناطيوس الدفاع عن تصرُّفاته. وبدلًا من هذا، أعلن الرسالة، أن يسوع هو المخلِّص الذي مات لأجل خطايانا والرب الذي أُقيم من القبر ليُظهر قوته وسلطته على الموت.
في غضبه من رفض إغناطيوس أن يتراجع، وقف تراجان وحكم عليه بالموت. بدلًا من إعدامه على الفور، قرَّر تراجان أن يجعل هذا المبشِّر الذي رفض أن ينحني لروما عبرة. أمر تراجان بأن يُؤخذ إغناطيوس إلى روما ويُلقى به طعامًا للوحوش المفترسة في الكولوسيوم.
أُخذ إغناطيوس إلى روما مصحوبًا بمجموعة مكوَّنة من عشرة جنود أساؤوا معاملته في أثناء الرحلة. استغرقت الرحلة أحد عشر شهرًا. في رسالته إلى أهل روما، شبَّه إغناطيوس الجندي بالحيوانات المتوحِّشة، قائلًا: "من سميرنا إلى روما أتصارع مع وحوش بريَّة، على اليابسة وفي البحر، ليلًا ونهارًا، إذ إنني مقيِّد بين عشرة فهود، مجموعة من الجنود، الذين إذا عاملتهم باللطف ازدادوا سوءًا".
في رسائله، شهد إغناطيوس بأنه كان مستعدًّا أن يموت شهيدًا و"شاهدًا" للمسيح. وإذ كان يعلم أنه سيُلقى به طعامًا للوحوش المفترسة في الكولوسيوم، كتب: "أنا قمح الله، وسوف تطحنني أسنان الوحوش المفترسة لعلِّي أُحسب خبز المسيح النقي". مات إغناطيوس شاهدًا للإنجيل. لقد عرف أن كونه تلميذًا ليسوع فهذا قد يعني الموت. وإذ واجه الموت، شهد إغناطيوس: "الآن أبدأ أكون تلميذًا".
اتَّسمت كنيسة الرسل بالحياة المُقدَّسة التي تباينت بشدَّة مع الثقافة المحيطة، وبالشغف للتبشير وبالأمانة في وجه الاضطهاد. وصف يسوع هذه السمات في موعظته على الجبل: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ ..."، "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ"، "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ". لم تشعر الكنيسة الأولى بالمفاجأة من أن التبشير والحياة التي تتَّسم بالتقوى قد نتج عنهما الاضطهاد.
كمسيحيِّين، نحن مدعوُّون إلى أن نعيش حياة مُقدَّسة؛ مدعوُّون إلى أن نكون ملحًا للأرض. في العالم الذي عاش فيه يسوع، كان للملح قيمة كبيرة بصفته عامل يساعد على التنقية. مع عدم وجود ثلَّاجات، كان الملح يحفظ الأطعمة التي قد تفسد من دونه. وكان على الكنيسة أن تكون عامل حفظ.
في تاريخ الكنيسة، نرى فترات (مثل العصور الوسطى) حيث قدَّمت الكنيسة تنازلات للثقافة المحيطة. وعندما حدث هذا، لم تكن الكنيسة ملحًا بعد. وفي أوقات أخرى (مثل الإصلاح وفترة القرن الـ 18)، نرى تأثير الكنيسة التي وقفت ثابتة في وجه خطايا الثقافة المحيطة بها.
في عالم قد "تعفَّن" بسبب تأثيرات الخطيَّة، على الكنيسة أن تنقِّي وتطهِّر مجتمعنا. وهذا يتطلَّب أن يكون المسيحيُّون أمناء لوصايا الكتاب المُقدَّس. ويتطلَّب أن يرفض المسيحيُّون الحلول الوسط مع متطلبات عالمنا.
كمسيحيِّين، نحن مدعوُّون لكي نبشِّر، نحن مدعوُّون لنكون "نورًا للعالم". طوال تاريخ الكنيسة، نرى أوقاتًا فقدت فيها الكنيسة شغفها للتبشير وفشلت في إرساليَّتها في العالم. وفي أوقات أخرى، نرى تأثير كنيسة التزمت بنشر الخبر السار حول العالم.
عندما تكون الكنيسة أمينة لوصيَّة يسوع بأن تكون ملحًا ونورًا، سوف تواجه الكنيسة الاضطهاد. لن يجلس إبليس خاملًا البتَّة ليشاهد الكنيسة تنمو؛ سوف يقاوم. ولكن بطرس وهو يكتب في أثناء زمن اضطهاد نيرون، شجَّع المسيحيِّين بهذه الكلمات: "وَإِلَهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيراً، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ".[1]الألم يدوم "يسيرًا"، لفترة قصيرة، أما المجد "فأبدي".
رحلات بولس التبشيريَّة. نشر رسالة الإنجيل إلى عالم الأمم.
49
مجمع أورشليم. لم يعد مطلوبًا من الأمم اتِّباع الطقوس اليهوديَّة.
64-68
نيرون يضطهد الكنيسة. استشهاد بولس وبطرس.
70
روما تدمِّر أورشليم.
تكليفات خاصة بالدرس
اكتب مقالة من صفحة واحدة بعنوان "أهدافي من دراسة تاريخ الكنيسة". يمكن أن تلخِّص هذه المقالة أهدافك من دراسة هذه المادة. اذكر شيئين أو ثلاثة ترجو أن تفهمها بشكل أفضل بنهاية هذه الدروس. في نهاية المادة، راجع هذه المقالة لترى هل حقَّقت أهدافك من المادة.
SGC exists to equip rising Christian leaders around the world by providing free, high-quality theological resources. We gladly grant permission for you to print and distribute our courses under these simple guidelines:
No Changes – Course content must not be altered in any way.
No Profit Sales – Printed copies may not be sold for profit.
Free Use for Ministry – Churches, schools, and other training ministries may freely print and distribute copies—even if they charge tuition.
No Unauthorized Translations – Please contact us before translating any course into another language.
All materials remain the copyrighted property of Shepherds Global Classroom. We simply ask that you honor the integrity of the content and mission.