يصعب تحديد تواريخ العصور الوسطى. لم تنشر الجرائد عنوانًا رئيسيًّا يقول "اليوم هو بداية العصور الوسطى!" غالبًا ما تبدأ الكتب العصور الوسطى بمرسوم ميلانو الذي أصدر قسطنطين في عام 313، أو مجمع نيقيَّة في عام 325، أو سقوط روما في عام 410، أو سقوط آخر إمبراطور روماني في عام 476. بالنسبة لهذا الدرس، سوف أبدأ من عند ارتقاء البابا جريجوريوس "الكبير" للبابويَّة في عام 590، لأن حكم جريجوريوس كان علامة على حدوث تغيُّر درامي في تأثير الكنيسة الكاثوليكيَّة.
تختلف الكتب أيضًا بشأن نهاية العصور الوسطى. ينهيها البعض مع انطلاق الحملات الصليبيَّة في عام 1095 وآخرون مع سقوط القسطنطينيَّة في عام 1453. لقد اخترت عام 1517 لأن بنود لوثر الخمسة والتسعين تُعد علامة على ضعف سلطة كنيسة روما الكاثوليكيَّة.
ليست التواريخ وحدها صعبة، إذ إنه من الصعب أيضًا أن نحصر الأحداث التي ينبغي دراستها. بدلًا من القيام بدراسة كاملة، اخترت مواضيع تبيِّن تطوُّر الكنيسة في أثناء العصور الوسطى. وبناء على هذه الطريقة، لن يكون الدرس بحسب التسلسل التاريخي الدقيق للأحداث. سوف يساعدك الخط الزمني أدناه على وضع الأحداث التي ستدرسها في هذا الدرس بحسب الترتيب الصحيح. سيغطِّي هذا الدرس بدايات العصور الوسطى، وسيغطِّي الدرس السابع أواخر العصور الوسطى.
تاريخ
حدث
590
اختيار جريجوريوس البابا
القرن السابع
صعود الإسلام
756
"منحة بيبين" تعطي السيطرة على جزء كبير من إيطاليا للكنيسة الرومانيَّة
800
البابا يتوِّج شارلمان
962
تتويج أوتو الأول إمبراطورًا رومانيًّا مُقدَّسًا
1054
بداية الانقسام بين الشرق والغرب
ليو وجريجوريوس – "البابوات الأوائل"
كما يوجد اختلاف حول تواريخ العصور الوسطى، هكذا يوجد اختلاف حول من هو أول البابوات. تدَّعي كنيسة روما الكاثوليكيَّة أن سمعان بطرس كان أول "أسقف على روما" أو بابا. ولكن يعتبر معظم المؤرِّخين ليو الأول (خدم بين عامي 440-461) وجريجوريوس الأول (خدم بين عامي 590-604) أول أسقفين يحتلَّان منصب مشابه للبابويَّة الحديثة.
ادَّعى ليو وجود خلافة تعود إلى الرسول بطرس، مما يجعله رأس العالم المسيحي كله. من هذه النقطة، لم يعد أسقف روما يُرى كواحد بين كل الأساقفة، فقد طالب الآن أسقف روما بالسلطة على كل الأساقفة الآخرين. كما رأينا في الدرس الثالث، دافع كتاب ليوTomeعن الفكر القويم في مجمع خلقيدونيَّة. قَبِل الأساقفة الغربيُّون مطالبة ليو بمركز الصدارة.
بالإضافة إلى الدعم من داخل الكنيسة، حاز ليو على السلطة بسبب ضعف روما السياسي. فلكي يفوز بدعم ليو السياسي، منح الإمبراطور فالنتنيان الثالث ختم موافقة الإمبراطوريَّة على مطالبة ليو بالسلطة. عندما هاجم أتيلا، زعيم الهون، إيطاليا في عام 452، التقى ليو بدلًا من الإمبراطور بأتيلا على الطريق خارج روما وأقنعه بالتراجع. في عام 455، غزا الفاندال روما (مرة أخرى). ومرة أخرى تفاوض البابا ليو مع ملك الفاندال، وحصل على وعد منه بعدم قتل المدنيِّين.
أما الأسقف الآخر الذي غالبًا ما يُدعى أول بابا هو جريجوريوس "الكبير". وُلد جريجوريوس في روما وأصبح سياسيًّا قويًّا، أخيرًا عمل بصفته عمدة المدينة. في الثلاثينيَّات من عمره، دعاه الله للخدمة. تخلَّى جريجوريوس عن ممتلكاته وأصبح راهبًا.
في عام 590، عانت روما من العديد من الكوارث: الفيضانات، هجمات البرابرة، والطاعون. بدلًا من الاختباء في الدير، جازف جريجوريوس بحياته لخدمة المرضى. عندما مات الأسقف في أثناء الطاعون، تم تعيين جريجوريوس أسقفًا على روما، رغمًا عن إرادته. بينما لم يدع جريجوريوس نفسه البابا البتَّة، إلَّا أنه طالب بالسلطة التي ترتبط الآن بالبابا الكاثوليكي الروماني. بسبب هذا، غالبًا ما يُعتبر أول بابا حديث.
◄ إن كنت تعيش في دولة حيث يكون للكنيسة الكاثوليكيَّة تأثير قوي، كلِّف أعضاء من المجموعة بدراسة الكنيسة الكاثوليكيَّة في مجتمعك. وألقِ النظر على سؤالين:
(1) لماذا تتمتَّع الكنيسة الكاثوليكيَّة بالشعبيَّة في مجتمعك؟
(2) ما الذي يمكن للمسيحيِّين الإنجيليِّين أن يفعلوه ليأتوا بالكاثوليك الرومانيِّين إلى معرفة يسوع المسيح معرفة خلاصيَّة؟
مسيحيُّون عظماء ينبغي أن تعرفهم: البابا جريجوريوس
مساهمة جريجوريوس في الإرساليَّات
عندما كان طفلاً، رأى جريجوريوس عبيدًا من إنجلترا يتم إنزالهم من السفن على أرصفة الميناء. منذ ذلك الوقت، كان مثقَّلًا بالتبشير بالإنجيل لشعب بريطانيا. تم التبشير لبريطانيا في القرن الرابع. ومع ذلك، في القرن الخامس، غزا البرابرة الأنجلوسكسونيُّون (Anglo-Saxon)، بريطانيا ودمَّروا الكنائس. في عام 596، أرسل جريجوريوس مجموعة مكوَّنة من أربعين راهبًا بندكتيًّا لتبشير الأنجلوساكسونيُّون. أسَّسوا إرساليَّة مسيحيَّة، وأصبح أوغسطينوس أسقف كانتربري. أصبحت كانتربري مركز المسيحيَّة الإنجليزيَّة.
مساهمة جريجوريوس في موسيقى الكنيسة
اشتهر جريجوريوس بإصلاحاته في موسيقى الكنيسة وتنظيم الليتورجيا. حتى أواخر القرن العشرين، كانت معظم الموسيقى التي تُرنَّم في الكنائس الرومانيَّة الكاثوليكيَّة تُسمَّى "الترانيم الجريجوريَّة" على اسم البابا جريجوريوس.
قيادة جريجوريوس للكنيسة
على الرغم من أن جريجوريوس لم يكن قائدًا فكريًّا مثل أوغسطينوس أو جيروم، إلَّا أنه ربما كان أكثر القادة موهبة لشغل منصب البابا. بالإضافة إلى ذلك، كان لديه تعاطف كبير مع احتياجات الإنسان. على عكس ليو الذي أخذ لقب "الحبر الأعظم" (Pontifex Maximus)، أطلق جريجوريوس على نفسه لقب "خادم عباد الله". بُنيت سمعة جريجوريوس العظيمة إلى حد كبير على رغبته وقدرته على تنظيم بيروقراطيَّة الكنيسة لخدمة احتياجات الناس.
لاهوت جريجوريوس
للأسف، أدَّت تعاليم جريجوريوس اللاهوتيَّة إلى إبعاد الكنيسة الكاثوليكيَّة عن الكتاب المُقدَّس. لقد أثَّر في ظهور بعض من أكثر عقائد الروم الكاثوليك تدميرًا.
وضع جريجوريوس التقليد على قدم المساواة مع الكتاب المُقدَّس.
اقترح جريجوريوس عقيدة المطهر، وهو المكان الذي يتطهَّر فيه المسيحيُّون بعد الموت.
علَّم جريجوريوس أن غفران الله يتطلَّب أعمال التوبة بدلًا من الإيمان البسيط بعمل المسيح الكفَّاري.
علَّم جريجوريوس أن شفاعة القدِّيسين الراحلين تفيد المؤمنين اليوم. ونتيجة لذلك، شجَّع على جمع الرفات المرتبطة بشهداء وقدِّيسي الماضي.
علَّم جريجوريوس عقيدة الاستحالة، وهي التعليم القائل بأن عناصر العشاء الرباني تتحوَّل إلى جسد ودم حقيقيِّين للمسيح. أصبح القدَّاس تجسيدًا لموت المسيح نيابة عن العابد.
... من هذا الوقت إلى الآن... وضع رسالة الإنجيل في سياق الثقافة[1]
تمدنا إرساليَّة جريجوريوس إلى بريطانيا بدروس قيِّمة للكنيسة اليوم. وجد أوغسطينوس ورفاقه الرهبان جمهورًا مُستقبِلًا. في غضون عام، تم تعميد الملك إثيلبرت و10,000 من الأنجلوساكسونيِّين. كان أوغسطينوس مهتمًّا بكيفيَّة جلب هؤلاء المهتدين الجدد إلى الكنيسة. لم يكن ليقبل بالاهتداء السطحي. عندما كتب أوغسطينوس إلى جريجوريوس ليحصل على مشورته، رد جريجوريوس في عام 601 بواحدة من الرسائل الكلاسيكيَّة عن تاريخ الإرساليَّة.
نصح جريجوريوس أوغسطينوس بوضع الإنجيل في سياق يتَّفق مع الشعب الأنجلوسكسوني. وقال على وجه الخصوص:
"يجب تدمير الأوثان. ولكن إذا كانت الهياكل جيِّدة البناء، فمن الجيِّد فصلها عن خدمة الشيطان، وتكييفها لعبادة الإله الحقيقي".
يجب استبدال الذبائح التي تُقدَّم للآلهة الباطلة ("الشياطين") بأعياد "إكرامًا لله... يجب أن يشكروا مانح كل الأشياء الجيِّدة. إذا سمحنا لهم بهذه الأفراح الخارجيَّة، فمن المرجَّح أن يجدوا طريقهم إلى الفرح الداخلي الحقيقي".
وقد نصح أوغسطينوس بالتحلِّي بالصبر مع المهتدين الجدد بينما يوجِّههم في نوعيَّة حياتهم الجديدة. "الرجل الذي يشرع في تسلُّق جبل عالٍ لا يتقدَّم بقفزات، ولكنه يرتقي خطوة بخطوة".
يقترح تيموثي تينينت (Timothy Tennent) ثلاثة دروس تتعلَّق بوضع الإنجيل في سياق من هذه الرسالة:
(1) ينبغي، عندما يكون ذلك ممكنًا، أن تتكيَّف الأشكال الثقافيَّة مع الرسالة المسيحيَّة. طلب جريجوريوس من أوغسطينوس تدمير الأوثان، ولكنه طلب كذلك تحويل المعابد إلى كنائس بدلًا من تدمير المباني.
(2) عندما يكون ذلك ممكنًا، قم باستبدال الممارسات الوثنيَّة القديمة بالممارسات الجديدة. فهم جريجوريوس أن المبشِّر لا يمكنه ببساطة إدانة الممارسات الوثنيَّة؛ يجب أن يأتي المرسل أيضًا بممارسات جديدة تمثِّل الإنجيل. في حين أننا قد لا نتَّفق مع نصيحة جريجوريوس بالتحديد، إلَّا أن مبدأه قد اتَّبعه الكثير من المبشِّرين.
على سبيل المثال، كان "يوم كنس المقابر" عبارة عن يوم يذهب فيه الوثنيُّون الصينيُّون إلى قبور أُسَرهم ويصلُّون إلى أسلافهم. تُقيم العديد من الكنائس في تايوان خدمة خاصة في ذلك اليوم حيث يمكن للمسيحيِّين تكريم تراثهم العائلي دون المشاركة في عبادة الأسلاف. إنهم يستبدلون الممارسة الوثنيَّة بالتقدير الأسري المسيحي.
(3) ينبغي تعليم المهتدين الجدد بصبر لتغيير حياتهم اليوميَّة. أدرك جريجوريوس أن الأمر سيستغرق وقتًا من السكسونيِّين المهتدين حتى يفهموا كل جوانب الإيمان والممارسة المسيحيَّة بالكامل. فشجَّع أوغسطينوس على أن يكون صبورًا مع المؤمنين الجدد.
يمكن أن نرى نموذجًا من العهد الجديد في رسائل بولس إلى المؤمنين في أفسس. يعيش هؤلاء المؤمنون الجدد في بيئة وثنيَّة وقد أمضوا حياتهم السابقة في الممارسات الوثنيَّة التي يجب تغييرها. يكتب بولس لإرشادهم في كيفيَّة عيش إيمانهم المسيحي الجديد. بعبارات قويَّة، يأمرهم أن يعيشوا كما دعاهم الله ليعيشوا. يوصيهم بولس قائلًا:
لا يعطي بولس بأي حال فرصة للاستمرار في الخطيَّة المتعمَّدة. ولكن في الآيات التالية، يشرح بصبر كيف ستظهر هذه الحياة التي تغيَّرت في أخلاقهم، وحياتهم الأسريَّة، وسلوكهم اليومي. بصفتنا مبشِّرين، يجب ألَّا نلتمس العذر للحياة الآثمة، وإنما يجب علينا أن نوجِّه بصبر المؤمنين الجدد فيما يخص الحياة المسيحيَّة. لا يكفي التبشير برسالة اهتداء ثم ترك "الأطفال الجدد في المسيح" وحدهم. يجب أن نستثمر الوقت لتلمذة المسيحيِّين الجدد حتى مرحلة النضج.
[1]هذه المادة مقتبسة من:
Timothy C. Tennent, Invitation to World Missions (MI: Kregel Publications, 2010), 236-240
رأينا في الدرس الثالث بدايات الحركة الرهبانيَّة. تدريجيًّا، تغيَّرت الحركة الرهبانيَّة من صورة العزلة إلى صورة المجتمع.
في القرن الثالث، باع مصري يُدعى أنطونيوس ممتلكاته، وأعطى المال للفقراء، وانتقل إلى كهف حيث أمضى بقيَّة حياته. ألهم كتاب الأسقف أثناسيوس "حياة أنطونيوس" الكثيرين أن يحذوا حذو أنطونيوس. أمضى سيمون (العمودي) ثلاثين عامًا يعيش على منصَّة على ارتفاع عشرين مترًا فوق سطح الأرض. شدَّد رهبان الصحراء بشكل كبير على العزلة والزهد.
في عام 520 تقريبًا، أنشأ بنيدكت (Benedict) من نورسيا ديرًا في مونت كاسينو (Monte Cassino). كتب دليلًا يُسمَّى "القاعدة" (The Rule)، والذي حفَّز على نمو الحركة الرهبانيَّة. بدلًا من العزلة، شدَّد كتاب "القاعدة لبنيدكت" على نظام يومي لقراءة الكتاب المُقدَّس والصلاة والعمل. شدَّدت الأديرة البنيدكتيَّة على وجود مجتمع والتعلُّم والإرساليَّة والعمل البدني بدلًا من الزهد المفرط. في عام 589، أحرق المهاجمون البربريُّون أديرة بنيدكت. فرَّ الرهبان إلى روما، إذ كان جريجوريوس قد تولَّى لتوه منصب أسقف روما. تأثَّر جريجوريوس بكتاب "القاعدة لبنيدكت". وإذ كان يبحث عن مبشِّرين يذهبون إلى إنجلترا، اختار جريجوريوس واحدًا وأربعين من الرهبان البنيدكتيِّين. طوال العصور الوسطى، كان للأديرة تأثير كبير على الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة.
من السهل رؤية أخطاء حركة الرهبنة:
محاولات الفوز بعطف الله من خلال الأعمال بدلًا من التبرير بالإيمان.
أدَّت المتطلبات غير الكتابيَّة بالتبتُّل إلى معيار أخلاقي للرهبان ومعيار آخر مختلف للمسيحيِّين العاديِّين.
أحيانًا ما جمعت الأديرة ثروة ضخمة، مما تسبَّب في الكبرياء والكسل. بحلول أواخر العصور الوسطى، كان يتم تصوير الرهبان في صور كاريكاتوريَّة كرجال دين بدينين وكسالى يتغذُّون على الفقراء. للأسف، أحيانًا ما كان هذا التصوُّر الساخر ينطبق على الواقع!
يصعب علينا نحن البروتستانتيِّين أن نرى نقاط قوة هذه الحركة. ولكن أسهم الرهبان بعدد من الإسهامات الهامة في عالم العصور الوسطى. يمكن أن نجادل بأنه تم الحفاظ على الحضارة في أثناء فترة الألف سنة تلك بصفة أساسيَّة من خلال جهود الرهبان. من بين ما ساهموا به:
بين عامي 500-1000، احتكرت الأديرة الدراسات العلميَّة. كرَّس رهبان كثيرون حياتهم لنسخ المخطوطات القديمة. كان من المحتمل أن يتم فقدان الكثير من الأدب القديم (بما في ذلك الكلاسيكيَّات اليونانيَّة والكثير من مخطوطات الكتاب المُقدَّس) لو لم يتم نسخها باليد على يد أجيال من الرهبان.
خدم الرهبان مجتمعاتهم. غالبًا ما كانت الأديرة هي التي توفِّر التعليم للأطفال. في القرن الثامن، أمر شارلمان بأن يكون لدى كل دير مدرسة. كما كان بإمكان المسافرين توقُّع وجود مكان ليمكثوا فيه في أحد الأديرة. كما جاء المرضى إلى الأديرة لتلقِّي الرعاية. غالبًا ما عملت المزارع الكائنة بأراضي الأديرة كنموذج للمزارعين المحليِّين، إذ كانت تعلِّم الفلاحين الساكنين في المنطقة كيف يقومون بزراعة محاصيل أفضل.
كان الرهبان هم المرسلين الرئيسيِّين في العصور الوسطى. بشَّر كولومبا، راهب من أيرلندا، الاسكتلنديِّين. كما ربح إيدان، وهو أيضًا من أيرلندا، شعب شمال إنجلترا. سافر بونيفاس من إنجلترا ليبشِّر فيما يُعرف الآن باسم فرنسا وألمانيا. وهو يُعرف باسم "رسول ألمانيا" ويُعرف بأنه واحد من أكثر المؤثِّرين في تاريخ أوربا. كان الأخوان كيرلس وميثوديوس راهبين قاما بترجمة الكتاب المُقدَّس إلى اللغة السلافونيَّة وبشَّرا مورافيا وبوهيميا. يقول المؤرِّخ مارك نول إن كل التبشير الذي تم بين الثقافات في العصور الوسطى تقريبًا كان يتم على يد الرهبان.[1]
وُلد الإصلاح في الأديرة. شجَّعت حمية الرهبان مثل برنارد من كليرفو، توما الإكويني، مارتن لوثر، وتوما الكمبيسي على الأمانة للمسيح في وقت كان جزء كبير من الكنيسة مستهلك في السعي وراء القوة السياسيَّة والثروة الزمنيَّة.
◄ هناك جوانب كثيرة من الرهبنة تتعارض مع الرسالة الكتابيَّة. ولكن كان أفضل الرهبان يحاولون أن يطيعوا وصيَّة المسيح بأن يكونوا في العالم، ولكن ليسوا من العالم.[2]ما هي الدروس التي يمكن أن نتعلَّمها من أجل كنيسة اليوم من رهبان العصور الوسطى؟ هل يوفِّر لنا النمط الرهباني الخاص بالانضباط الروحي دروسًا مفيدة للمسيحيِّين المعاصرين؟
[1]Mark Noll, Turning Points: Decisive Moments in the History of Christianity, 3rd ed. (MI: Baker Academic, 2012), 92.
مع الانهيار النهائي لروما عام 476، بدت الحضارة الغربيَّة محكوم عليها بالفشل. في القرون التالية، لن تكون هناك حكومة مركزيَّة، ومدارس قليلة، وقدر قليل من القانون، ولا نظام مالي عالمي. نشأ نظام إقطاعي يوفِّر بموجبه مُلَّاك الأراضي الأثرياء ("اللوردات") الحماية للفلَّاحين ("التابعين") الذين يزرعون الأرض. تلقَّى هؤلاء التابعون الغذاء من أجل مستوى أعلى بقليل من البقاء.
نشأت أوروبا الحديثة من هذا الدمار، وكان هذا إلى حدٍّ كبير من خلال تأثير المسيحيَّة. بعد سقوط روما، كانت الكنيسة المسيحيَّة هي القوة الأساسيَّة التي عملت على الوحدة في أوروبا.
كان الفرنجة قوة سياسيَّة نشأت فيما يعرف الآن بألمانيا الغربيَّة. على الرغم من أنهم كانوا وثنيِّين، إلَّا أن زعيمهم كلوفيس تحوَّل إلى المسيحيَّة في عام 496. عندما تم تعميد كلوفيس، انضم إليه 3000 من جيشه في المعموديَّة. بحلول عام 600، سيطر الفرنجة على جزء كبير من أوروبا الوسطى.
في عام 324، أنشأ قسطنطين عاصمة شرقيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة في بيزنطة، وأعاد تسمية المدينة لتصبح القسطنطينيَّة. استمرَّت الإمبراطوريَّة الرومانيَّة الشرقيَّة (وتُسمَّى أيضًا الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة) حتى عام 1453 عندما دمَّرتها الجيوش الإسلاميَّة. بعد سقوط روما، سرعان ما نشأ الصراع بين الأباطرة في القسطنطينيَّة والباباوات في روما. عندما وسَّع الأباطرة الشرقيُّون أراضيهم ناحية الغرب، بحث البابا عن حلفاء سياسيِّين. أعطى دعم الفرنجة للكنيسة الرومانيَّة قوة سياسيَّة كبيرة للباباوات.
لسوء الحظ، أصبحت المسيحيَّة بين الفرنجة أداة سياسيَّة أكثر من كونها حركة روحيَّة. أُعجب الفرنجة بالرسول بطرس لاستعداده لاستخدام السيف؛ أصبح هذا نموذجًا "للكرازة" في وقت كبير من العصور الوسطى. لقد رأوا يسوع كأمير حرب مجيد، على غرار كلوفيس. عندما رفضت إحدى القبائل الألمانيَّة المعموديَّة، قطع كلوفيس رأس 4500 شخص في يوم واحد، ثم عاد إلى معسكره للاحتفال بعيد الميلاد. وطبعًا يمكنك أن تتخيَّل أن معظم الأشخاص الواقعين تحت سيطرة كلوفيس وافقوا على المعموديَّة. كان ما يحدِّد مواقف الاهتداء الجماعيَّة هو الزعيم السياسي، وليس الالتزام الشخصي بالمسيح.
لم يكن كثير من العلمانيِّين الذين اهتدوا بهذه الطريقة يعرفون سوى القليل عن الإنجيل. بالنسبة للكثيرين، كانت الفوائد المفترضة لـ "القدِّيسين" تعني أكثر من المسيح نفسه. اعتقد الكثير من العلمانيِّين أن كل واحد من القدِّيسين يوفِّر بعض المزايا الخاصة: إذ يحمي القدِّيس أنطونيوس خنازير المزارعين؛ أما القدِّيس جنيفييف فيشفي من الحُمَّى؛ أما القدِّيس جول فيجعل الدجاج يضع المزيد من البيض. أصبحت المسيحيَّة "جرعة سحريَّة" لحل المشاكل الأرضيَّة، وليست علاقة شخصيَّة بيسوع المسيح.
تشمل بعض الأسماء الرئيسيَّة التي يجب أن تعرفها ما يلي:
تشارلز مارتل (المطرقة)
حكم بين عامي 688-741. هزم تشارلز المسلمين في معركة تورز عام 732، وأوقف انتشارهم في أوروبا.[1]شجَّع تبشير القبائل الواقعة شرق نهر الراين (ألمانيا الحديثة).
بيبين الثالث
حكم كملك على الفرنجة من 741-768. في عام 756، منح بيبين معظم وسط إيطاليا للبابا ستيفن. أصبح "تبرُّع بيبين" (جنبًا إلى جنب مع "تبرُّع قسطنطين" المزيَّف) أساسًا للسلطة السياسيَّة لكنيسة روما الكاثوليكيَّة في أواخر العصور الوسطى.
شارلمان
تُوِّج ابن بيبين، شارلمان،[2]"إمبراطورًا للرومان" في يوم عيد الميلاد، عام 800 ميلاديًّا على يد البابا ليو الثالث. اللافت في هذا الحدث هو أن البابا أصبح يتمتَّع بالسلطة الكافية لتتويج حاكم سياسي على الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. كانت العلاقة بين الكنيسة والدولة أقرب مما كانت عليه في أي وقت منذ أيام قسطنطين.
وحَّد هذا التحالف بين ليو الثالث وشارلمان الإمبراطوريَّة الرومانيَّة الغربيَّة لأول مرة منذ سقوط روما. عُرف شارلمان بالإمبراطور الروماني المُقدَّس، وهو إمبراطور رأى نفسه حارسًا للكنيسة. كان ليو الثالث هو البابا، وهو الأسقف الذي رأى نفسه السلطة المطلقة في الإمبراطوريَّة.
خلال فترة حكمه المبكِّرة، غزا شارلمان مناطق جديدة وأجبر كل من عاش في هذه المناطق على التحوُّل إلى المسيحيَّة. في النهاية، سيطر على أراضي أكثر من أي حاكم بعد سقوط الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. كان يُنظر إليه من قِبَل العديد من الناس على أنه "قسطنطين جديد" الذي من شأنه أن يعيد مجد الإمبراطوريَّة المسيحيَّة.
اعتقد شارلمان أن الدولة مسؤولة عن الجسد والكنيسة مسؤولة عن الروح. بدلًا من رؤية أوغسطينوس عن "مدينتين" (مدينة الإنسان ومدينة الله)، اقترح شارلمان مملكة الله ذات "الذراعين". كان البابا يسيطر على الذراع الروحيَّة، أما الإمبراطور فيسيطر على الذراع الزمنيَّة.
ومع ذلك، من الناحية العمليَّة، كان لشارلمان في كثير من الأحيان سلطة أكبر على الكنيسة من البابا. إذ عيَّن الأساقفة وعزلهم، كما أمر بتغييرات في الليتورجيا، ووضع قواعد للأديرة، حتى أنه كلَّف أحد شمامسته بنشر العظات التي ستُستخدم في جميع أنحاء المملكة. أظهر شارلمان، مثل سلفه قسطنطين، المزايا السياسيَّة والأخطار الروحيَّة الموجودة ضمنًا في العلاقة الوثيقة بين الكنيسة والدولة.
أوتو الأول
حكم أوتو الأول بين عامي 962-973. بعد وفاة شارلمان، لم يتمكَّن خلفاؤه من الحفاظ على الإمبراطوريَّة التي أنشأها. ومع ذلك، ناشدت الفكرة المثاليَّة الخاصة بالإمبراطوريَّة الرومانيَّة الموحَّدة المدعومة من الإمبراطور والكنيسة الباباوات والقادة السياسيِّين. في عام 962، أعاد الحاكم الألماني أوتو الأول تأسيس الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة، بناءً على نموذج شارلمان.
من وجهة نظر بشريَّة، يبدو أن كنيسة العصور الوسطى كانت ناجحة. اكتسبت كنيسة روما السلطة السياسيَّة والمكانة الاجتماعيَّة. ولكن جاء هذا النجاح بتكلفة روحيَّة. على مدى القرون العديدة القادمة، كان هناك صراع متكرِّر إذ تصارع الأباطرة والباباوات على السلطة السياسيَّة. أصبح الازدهار المالي والسلطة السياسيَّة أكثر أهميَّة من الإنجيل.
خلال هذه القرون، حاول الباباوات السيطرة على اختيار الأباطرة، وحاول الأباطرة السيطرة على انتخاب الباباوات. سيطرت ماروزيا، وهي نبيلة إيطالية، على انتخاب الباباوات لمدَّة ستِّين عامًا. وقد قتلت أحد الباباوات، وكانت والدة آخر، وكانت عشيقة ثالث. عندما تم انتخاب حفيدها البابا يوحنا الثاني عشر، قدَّم نخبًا للشيطان للاحتفال. أفسدت السلطة السياسيَّة الحياة الروحيَّة للكنيسة. كان "الزواج" بين الكنيسة والدولة زواجًا قسريًّا فشل في تعزيز قضيَّة الإنجيل.
◄ ناقش العلاقة بين الإمبراطوريَّة والكنيسة تحت حكم شارلمان. حدِّد الدرس الذي يمكننا تعلُّمه من هذه الفترة من تاريخ الكنيسة.
[2]كان اسمه "تشارلز أوغسطس". اعترافًا بسلطته وتوسُّع التخوم الرومانيَّة، أصبح يُعرف باسم "شارلمان" (ويعني باللاتينية "تشارلز العظيم").
الانقسام بين الشرق والغرب
في عام 1054، دخل الكاردينال هامبرت، ممثِّل البابا ليو التاسع، إلى كنيسة الحكمة المُقدَّسة في القسطنطينيَّة (Church of Holy Wisdom in Constantinople) ووضع خطاب حرمان على المذبح.[1]كان الحرمان يعني أن بابا الروم الكاثوليك لم يعُد يعترف بأعضاء الكنيسة الشرقيَّة كأعضاء في الكنيسة الحقيقيَّة. كان هذا الانقسام بين الكاثوليكيَّة الرومانيَّة في الغرب والأرثوذكسيَّة في الشرق تتويجًا لقرون من الصراع. منذ مجمع خلقيدونيَّة عام 451، تحرَّكت الكنائس الشرقيَّة والغربيَّة في اتجاهين متعاكسين.[2]
اعترف مجمع خلقيدونيَّة بأن أسقف روما ليو هو السلطة الأساسيَّة على الكنيسة الغربيَّة وأن أسقف القسطنطينيَّة هو "أسقف روما الجديدة"، وأن له سلطة مساوية لسلطة ليو. من تلك النقطة، كان هناك رئيسان للكنيسة مُعترف بهما، الكنيسة الرومانيَّة في الإمبراطوريَّة الغربيَّة والكنيسة اليونانيَّة في الإمبراطوريَّة الشرقيَّة. مرارًا وتكرارًا، نشأت مشاكل بين نصفي الكنيسة.
الصراع على الأيقونات
في الكنيسة الشرقيَّة، استخدم الكثير من المسيحيِّين "أيقونات" ثنائيَّة الأبعاد في العبادة. أصرَّ يوحنا الدمشقي، أعظم لاهوتيِّي الكنيسة الشرقيَّة، على أن المصلِّين لا يعبدون الأيقونات. كان الغرض من الأيقونات هو إعطاء المصلِّين تذكيرًا مرئيًّا بأن قدِّيسي الماضي يشاركون في عبادتنا اليوم.[3]
لكن في الممارسة العمليَّة، لم ير الكثير من المسيحيِّين العاديِّين هذا الفرق اللاهوتي الذي ميَّزه يوحنا الدمشقي. إذ لم يميِّزوا بين الأيقونة والواقع الروحي الذي قصد أن تمثِّله الأيقونة. واتهم المسلمون مسيحيِّي الشرق بعبادة الأوثان بسبب استخدامهم للأيقونات.
في عام 726، حظر الإمبراطور ليو الثالث، إمبراطور الإمبراطوريَّة الشرقيَّة، استخدام الأيقونات. بالنسبة إلى ليو، كانت هذه قضيَّة سياسيَّة إلى حدٍّ كبير. تم الترويج (وصُنع) الأيقونات من قِبَل الرهبان الذين أصبحوا يشكِّلون تهديدًا لسلطة ليو السياسيَّة. اندلع الصراع بين مؤيِّدي الأيقونات و"محطِّمي الأيقونات" iconoclasts)) الذين اتبعوا أوامر الإمبراطور بتدمير الأيقونات.
في الغرب، أيَّد البابا استخدام الرموز المرئيَّة في العبادة. في النهاية، اجتمع مجمع نيقيَّة الثاني (787) لمناقشة هذه المسألة. فحكموا بأن الأيقونات مقبولة ما دامت الأيقونة نفسها لا تُعبد. قالوا إن الأيقونات يمكن "تبجيلها" ولكن لا يمكن عبادتها. تسبَّب تدخُّل الكنيسة الغربيَّة في استياء الكثيرين في الكنيسة الشرقيَّة.
نزاع الانبثاق (Filioque)
في عام 598، أضاف مجمع توليدو الكلمة اللاتينيَّةfiloqueإلى قانون الإيمان النيقاوي. اعترف قانون الإيمان الأصلي بأن "الروح منبثق من الآب". قال قانون الإيمان المُنقَّح إن "الروح منبثق من الآب والابن".
جادلت الكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة بأن يوحنا 16: 7 يؤيِّد هذا التغيير. ردَّت الكنيسة الشرقيَّة بقوة. لقد جادلوا بأنه بما أن الكنيسة بأكملها (الغربيَّة والشرقيَّة) قد وافقت على قانون إيمان نيقيَّة في مجمع خلقيدونيَّة، فلا يمكن تغييره بدون مجمع آخر للكنيسة بأكملها.
يعتقد اللاهوتيُّون الغربيُّون أن الحديث عن انبثاق الروح القدس من الآب "والابن" يؤكِّد على ألوهيَّة الابن، ويحمي من الأريوسيَّة، بينما يعتقد اللاهوتيُّون الشرقيُّون أن هذه العبارة غيَّرت العلاقة بين أعضاء الثالوث. أكَّد الغرب على وحدة اللاهوت بينما أكَّد الشرق على الأقانيم الفرديَّة في الثالوث. في عام 867، أدان الأسقف فوتيوس، أسقف القسطنطينيَّة، هذا التغيير. أصبح الخلاف حول الانبثاق أحد الأسباب الرئيسيَّة التي أدَّت إلى الانقسام النهائي بين الكنيستين في عام 1054.
انقسام 1054
كان الباباوات الذين قادوا الكنيسة خلال القرن العاشر بعيدين عن المُثُل العليا للباباوات الأوائل ليو الأول وجريجوريوس الكبير. كانوا في كثير من الأحيان فاسدين أخلاقيًّا وأدبيًّا. ومع ذلك، بدأت سلسلة من أباطرة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة في السعي لتحقيق الإصلاح في الكنيسة. في عام 1039، تُوِّج هنري الثالث إمبراطورًا. كان مسيحيًّا ملتزمًا وقرَّر إنهاض الكنيسة الكاثوليكيَّة.
عمل هنري الثالث على الفوز في انتخاب أسقف ألماني كبابا لتجنُّب السياسات المحليَّة التي سمحت للعائلات الإيطاليَّة القويَّة بالسيطرة على البابويَّة. في عام 1048، تم انتخاب راهب ألماني اسمه برونو ليصبح هو البابا ليو التاسع،[4]وقد شارك هنري في رغبته في الإصلاح، وقد عارضا معًا الإهمال الأخلاقي للأساقفة وأوقفا ممارسة السيمونيَّة (simony).[5]قاتل ليو التاسع لتحرير الكنيسة من السيطرة السياسيَّة. ومن أجل منع الكهنة من تمرير مناصب الكنيسة لأبنائهم، منع الكهنة من الزواج.
قرَّر ليو أن السبيل لضمان الإصلاح الدائم هو ادِّعاء السلطة على جميع المسيحيِّين، بما في ذلك المسيحيِّين الموجودين في الشرق. كتب إلى أسقف القسطنطينيَّة يدعي فيه أن "تبرُّع قسطنطين"[6]أعطى البابا السلطة على نصفي الكنيسة.
رفض أسقف القسطنطينيَّة الاعتراف بسلطة ليو. وردًّا على هذا، أرسل ليو صديقه، الكاردينال هامبرت، للتفاوض وإحلال السلام. ولكن بدلًا من العثور على حل سلمي، حرم هامبرت سيرولاريوس، الشرقي، مُعلنًا أنه مهرطق. أدان سيرولاريوس بدوره البابا ليو التاسع والكنيسة الرومانيَّة.
لم يُصلح هذا الانقسام، الذي سُمِّي انقسام عام 1054، أبدًا. تم عقد اجتماعين على الأقل بين عامي 1274 و1439 لإعادة توحيد الكنائس. وفي كلتا المرتين انتهت الاجتماعات دون التوصُّل إلى حل.
الاختلافات الموجودة اليوم بين الكنائس الرومانيَّة والشرقيَّة هي اختلافات جغرافيَّة وتاريخيَّة ولاهوتيَّة. من الناحية الجغرافيَّة، تشكِّل الكنائس الروسيَّة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة واليونانيَّة الأرثوذكسيَّة وثلاث عشرة كنيسة أصغر منهما الكنيسة الشرقيَّة. الكنائس الأرثوذكسيَّة هي القوى في شرق أوربا والشرق الأوسط وروسيا. ترجع الاختلافات التاريخيَّة إلى انقسام عام 1054. من الناحية اللاهوتيَّة، تعترف الكنائس الشرقيَّة فقط بأول سبعة مجامع مسكونيَّة وترفض سلطة المجامع اللاحقة مثل مجمع توليدو، الذي أضاف فقرة الانبثاق الخاصة بالروح القدس.
◄ تأثَّر انقسام عام 1054 بالاختلافات الثقافيَّة (بين الشرق والغرب)، وباختلافات لاهوتيَّة (مثل جدل الانبثاق)، والصراعات الشخصيَّة (بين سيرولاريوس وهامبرت). ما هي الدروس التي يمكن أن نتعلَّمها من هذا الانقسام لتجنُّب الانقسام في الكنيسة اليوم؟
الكنيسة الكاثوليكيَّة الرومانيَّة
الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة
تعني كلمة كاثوليكيَّة "عامة"، وتشير إلى السلطة على كل المسيحيِّين الحقيقيِّين.
تعني كلمة أرثوذكسيَّة "المُعتقد الصحيح"، وتشير إلى الأمانة لتعاليم المسيحيَّة القديمة.
يمثِّل أسقف روما (البابا) سلطان المسيح على كل الكنيسة.
أسقف يشرف على كل فرع من الأرثوذكسيَّة. تحترم كل فروع الأرثوذكسيَّة بطريرك القسطنطينيَّة، ولكن ليس لديه سلطة خارج بطريركيته.
تأتي السلطة من الكتاب المُقدَّس، ومجامع الكنيسة، والتقليد، والأساقفة.
تأتي السلطة من الكتاب المُقدَّس، والمجامع السبعة التي أُقيمت على مستوى كل الكنيسة، وآباء الكنيسة القدماء.
رجال الدين لا يتزوَّجون. [ولكن هذا تغيَّر مؤخَّرًا –المترجم].
مسموح لرجال الدين بالزواج.
تُعلِّم بالمطهر والحبل بلا دنس بمريم العذراء.
تنكر المطهر والحبل بلا دنس بمريم العذراء.
تعلِّم بعقيدة التحوُّل (transubstantiation).
تُعلِّم بعقيدة التحوُّل.
يشدِّد علماء الكنيسة بشدَّة على العقيدة ونظام الكنيسة.
يشدِّد علماء الكنيسة بشدَّة على ممارسات العبادة والعبادة الرهبانيَّة.
[1]أي وثيقة أو رسالة من البابا تُسمَّى Bull، وكان هذا Bull حرمان أو مرسوم حرمان.
[2]لدراسة الاختلافات التاريخيَّة واللاهوتيَّة بين الكاثوليكيَّة والأرثوذكسيَّة، انظر الفصل 15 من كتاب:
Bruce L. Shelley, Church History in Plain Language, 3rd ed. (USA: Thomas Nelson, 2008).
[3]أشار اللاهوتيُّون الشرقيُّون إلى العبرانيين 12: 1 دعمًا لأفكارهم.
[4]منذ القرن العاشر، اتخذ البابوات أسماء جديدة عندما يتم انتخابهم لمنصب البابا.
[5]السيمونيَّة هي بيع المناصب الكنسية. وقد سُمِّيت بالسيمونيَّة بسبب محاولة سيمون الساحر شراء قوة الروح القدس في أعمال 8: 18-19.
كان أكبر انتشار تبشيري للكنيسة الأرثوذكسيَّة في روسيا.[1]ظلَّت المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة الدين القومي لروسيا، على الرغم من أن الشيوعيِّين السوفييتيِّين دمَّروا 98٪ من جميع الكنائس الأرثوذكسيَّة بعد عام 1917. كما كان الأمر في حالة قسطنطين وشارلمان، جاء تحوُّل روسيا إلى المسيحيَّة من خلال زعيم سياسي قوي.
في عام 980، ورث الأمير فلاديمير تاج كييفان روس (Kievan Rus) (أوكرانيا الحالية). في البداية، تبع والده في العبادة الوثنيَّة، ولكنه سرعان ما أرسل مبعوثين لدراسة الأديان العظيمة؛ الإسلام واليهوديَّة والكاثوليكيَّة الرومانيَّة والأرثوذكسيَّة الشرقيَّة. انبهر المبعوثون من جمال الكاتدرائيَّة في القسطنطينيَّة والليتورجيا الشرقيَّة المتقنة. بعد رؤية الخدمة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة، كتبوا: "لم نكن نعرف ما إذا كنَّا في السماء أم على الأرض... نحن نعلم فقط أن الله يسكن هناك بين الناس، وأن خدمتهم أجمل من احتفالات الأمم الأخرى".
في عام 988، عُرض على فلاديمير أن يتزوَّج من شقيقة الإمبراطور البيزنطي، بشرط التحوُّل إلى الإيمان الأرثوذكسي الشرقي. اهتدى فلاديمير بالفعل إذ كان منجذبًا إلى الليتورجيا الشرقيَّة، ثم جلب المبشِّرين الشرقيِّين إلى البلاد وروَّج للمسيحيَّة بصفتها الدين الرسمي للبلاد. كما رأينا مع اهتداء كلوفيس، سرعان ما أعقب تحوُّل الحاكم معموديَّة جماعيَّة بين رعاياه. على الرغم من أن تحوُّله كان قرارًا سياسيًّا، إلَّا أنه يبدو أن فلاديمير نفسه أصبح مسيحيًّا حقيقيًّا.
لقرون، كانت الكنيسة الأرثوذكسيَّة الروسيَّة هي الكنيسة الوحيدة المتاحة للروس. لا يعرف الكثير من أعضاء الكنيسة الأرثوذكسيَّة سوى القليل من تعاليمها أو ممارساتها، إذ يصبحون أرثوذكسيِّين عندما يتم تعميدهم وهم أطفال، أو ينضمون تحت ضغط سياسي أو اجتماعي، دون أي علاقة حقيقيَّة مع المسيح. يتبع الكثيرون عادات الأرثوذكسيَّة دون قراءة الكتاب المُقدَّس لأنفسهم أبدًا.
حتى أواخر القرن التاسع عشر، كان الوجود الإنجيلي في روسيا ضئيلًا للغاية. عبد جميع المسيحيِّين في الكنائس الأرثوذكسيَّة. ومع ذلك، حتى داخل مبنى الكنيسة الرسمي، والذي غالبًا ما يكون فارغًا، كان هناك شعب لله. على الرغم من أن طقوس الأرثوذكسيَّة لا توفِّر أي ضمان للخلاص الشخصي، كان هناك الكثير من المؤمنين المُخلَّصين داخل الكنيسة الأرثوذكسيَّة الروسيَّة. في أثناء اضطهاد الكنيسة على يد جوزيف ستالين، ظلَّ المسيحيُّون المؤمنون داخل الكنيسة الأرثوذكسيَّة أوفياء للمسيح.
[1]قدَّم القس ريتشارد جراوت (Richard Grout)، المبشِّر في روسيا، الكثير من محتوى هذا التقرير.
الخلاصة: تاريخ الكنيسة يتكلَّم اليوم
تُظهر صراعات أوائل العصور الوسطى بعض أدوات الشيطان في جهوده لقيادة الكنيسة إلى الضلال. فعل البابا جريجوريوس الكثير لخدمة الناس في عصره، لكنه علَّم بعقائد كاذبة مثل المطهر. اعتقد العديد من الرهبان بصدق أن الصيام المتطرِّف وممارسات التقشُّف سيكون لها استحقاق عند الله. من خلال هذه العقائد الكاذبة، قاد إبليس كنيسة العصور الوسطى بعيدًا عن رسالة العهد الجديد.
اليوم، يجب أن نحترس من هجمات إبليس. من غير المحتمل أن يعود الإنجيليُّون إلى عقيدة المطهر، ولكن ينجذب الكثير من الإنجيليِّين إلى تعاليم كاذبة فيما يتعلَّق بالمواهب الروحيَّة وإنجيل الرخاء والأفكار غير الكتابيَّة عن الأيام الأخيرة. يُظهر تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى خطورة العقيدة الزائفة.
تظهر الصراعات بين الكنائس الغربيَّة والشرقيَّة أيضًا ميلًا للانقسام. فبينما يجب أن ننفصل عن أولئك الذين يعلِّمون بعقائد مُهرطقة، إلَّا أن الانقسامات بين الكنائس الشرقيَّة والغربيَّة غالبًا ما كانت مدفوعة ليس بالالتزام بالحق، بل بالصراعات الشخصيَّة والأجندات السياسيَّة والصراعات على السلطة. يجب ألَّا نسمح للصراعات الشخصيَّة أن تقسم كنيسة يسوع المسيح. ملكوت الله أكبر من أجندتي الشخصيَّة!
الدرس السادس: أحداث رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة
تاريخ
حدث
590
اختيار جريجوريوس أسقفًا لروما.
القرن السابع الميلادي
صعود الإسلام.
787
حكم مجمع نيقيَّة الثاني بإمكانيَّة "توقير" الأيقونات وليس "عبادتها".
800
البابا يتوِّج شارلمان إمبراطورًا.
857
تصادم فوتيوس، أسقف القسطنطينيَّة، مع البابا بخصوص إضافة عبارة "والابن" إلى قانون إيمان نيقيَّة.
962
تتويج أوتو إمبراطورًا رومانيًا مُقدَّسًا.
1054
الانقسام بين الكنائس الشرقيَّة والغربيَّة.
شخصيَّات الرئيسيَّة في تاريخ الكنيسة
أوغسطينوس أسقف كانتربري (مات بين عامي 604 و609). مرسل إلى إنجلترا أرسله البابا جريجوريوس الكبير؛ قام بهداية الملك إيثلبرت مَلِك كِنت (Kent) وأصبح أول رئيس أساقفة لكانتربري.
شارلمان (742-814 تقريبًا). أول "إمبراطور روماني مُقدَّس"؛ شجَّع التعليم، والإصلاح الكنسي، والوحدة في الإمبراطوريَّة.
جريجوريوس الكبير (540-604 تقريبًا). وسَّع نطاق سلطات البابا. أرسل أول قوة تبشيريَّة إلى إنجلترا تحت قيادة أوغسطينوس أسقف كانتربري.
ليو الكبير (مات عام 461): أسقف روما بين عامي 440-461. تمسَّكت رسالته المسمَّاة بـTomeوالتي كتبها في عام 449 بالفكر الكريستولوجي القويم وأكَّد عليها مجمع خلقيدونيَّة في عام 451.
تكليفات خاصة بالدرس
(1) قم بالإجابة عن امتحان هذا الدرس. يشمل الامتحان تواريخ من "أحداث رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة" من خلال الخط الزمني (590-1024).
(2) قم بكتابة ملخَّص سيرة واحد من القادة المسيحيِّين التالين: شارلمان، يوحنا الدمشقي، أو بيدي. ينبغي أن يشمل الملخَّص أربعة أجزاء:
السيرة: متى عاش؟ أين يعيش؟ متى وأين مات؟
الأحداث: ما هي أهم الأحداث في حياته؟
التأثير: ما الذي فعله وكان له تأثيرًا دائمًا على الكنيسة المسيحيَّة؟
التطبيق: اذكر درسًا واحدًا تتعلَّمه الكنيسة اليوم من حياة هذا القائد.
لديك خياران لتقديم هذا الملخَّص:
تقديم ورقة من صفحتين إلى القائد المسؤول عن المجموعة.
تقديم الملخَّص شفويًّا من 3-5 دقائق أمام المشتركين في المجموعة.
أسئلة الدرس السادس
(1) بالنسبة لهذا الدراسة، يشير تعبير العصور الوسطى إلى الفترة من عام __________ ميلاديًّا (صعود جريجوريوس الكبير) إلى عام __________ ميلاديًّا (تاريخ بنود لوثر الخمسة والتسعين).
(2) أول أسقف لروما يطالب بالسلطة على كل العالم المسيحي هو __________.
(3) أرسل جريجوريوس الكبير مرسلين لتبشير إنجلترا. __________ أصبح أول أسقف لكانتربري.
(4) بحسب عقيدة __________، تتحوَّل عناصر العشاء الربَّاني إلى جسد ودم المسيح الحقيقيَّيْن.
(5) كتب __________ كتاب "القاعدة" الذي وجَّه نمو الرهبنة في العصور الوسطى كتبه.
(6) تُوِّج __________ "إمبراطورًا رومانيًّا مُقدَّسًا" يوم عيد الميلاد عام 800. وحَّد هذا الإمبراطوريَّة الرومانيَّة الغربيَّة لأول مرة منذ سقوط روما.
(7) رفض __________ استعمال الأيقونات في العبادة.
(8) في عام __________، انقسمت الكنائس الشرقيَّة والغربيَّة بشكل رسمي.
(9) الكلمة اللاتينيَّة __________ تعني "والابن". كانت هذه واحدة من الأسباب الرئيسيَّة للصراع بين الكنيستين الشرقيَّة والغربيَّة.
(10) اذكر أي جناح من الكنيسة (روماني أو أرثوذكسي) يرتبط بكل سمة من السمات التالية:
تُعلِّم بعقيدة المطهر __________
تسمح بزواج رجال الدين __________
يحكمها البابا __________
يوجِّهها البطريرك __________
(11) بعد اهتداء __________، أصبحت كنيسة روسيا الرسميَّة هي الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة.
SGC exists to equip rising Christian leaders around the world by providing free, high-quality theological resources. We gladly grant permission for you to print and distribute our courses under these simple guidelines:
No Changes – Course content must not be altered in any way.
No Profit Sales – Printed copies may not be sold for profit.
Free Use for Ministry – Churches, schools, and other training ministries may freely print and distribute copies—even if they charge tuition.
No Unauthorized Translations – Please contact us before translating any course into another language.
All materials remain the copyrighted property of Shepherds Global Classroom. We simply ask that you honor the integrity of the content and mission.