ازدهرت الكثير من الحركات الدينيَّة لسنوات قليلة ثم اختفت. فينبغي على الحركة الدائمة أن تتعامل مع التحدِّيات التي تظهر في الجيل الثاني، بعدما يزول شعور الإثارة المبدئي.
واجهت الكنيسة هذا التحدِّي بعد موت الرسل. بنهاية القرن الأول، كان الرسل والمهتدون الأوائل قد ماتوا. واجه جيل جديد من المسيحيِّين تحدِّيات جديدة.
واجهت الكنيسة الأولى تحدِّي الاضطهاد. خاطر الجيل الأول من الرسل الذين رأوا يسوع في الجسد بحياتهم من أجل الإنجيل. هل سيبقى المؤمنون الذين لم يروا يسوع أمناء في مواجهة الموت؟
واجهت الكنيسة للأولى تحدِّي التبشير. ترك الجيل الأول من المؤمنين العليَّة بعد يوم الخمسين لنشر الإنجيل في عالمهم. هل سيستمر المؤمنون الذين لم يكونوا في العليَّة في تتميم تكليف المسيح بأخذ الإنجيل إلى العالم؟
تاريخ
حدث
70
خراب أورشليم
89-96
اضطهاد دومتيان
155
استشهاد بوليكاربوس
190
اضطهاد نيرون
303-313
حقبة الاضطهاد تحت حكم دقلديانوس وجاليريوس
313
مرسوم ميلانو
لا زال لهذه الأسئلة صلة وثيقة بنا اليوم. يواجه المسيحيُّون في أجزاء كثيرة من العالم الاضطهاد. هل سيبقى المسيحيُّون اليوم أمناء في وجه الاضطهاد، بل وحتى التهديد بالموت؟
لا زال المسيحيُّون اليوم مسؤولين عن أخذ الإنجيل إلى العالم. هل سيتجاوب المسيحيُّون اليوم مع تكليف المسيح لأتباعه: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ".[1]
في هذا الدرس سوف ننظر على تاريخ الكنيسة من سقوط أورشليم في عام 70 ميلاديًّا إلى بدايات القرن الرابع. في أثناء هذه الفترة من "المسيحيَّة الكاثوليكيَّة"، عرفت الكنيسة الكثير من عقائد اللاهوت الأرثوذكسي القويم.[2]في أثناء هذه القرون، رسَّخ آباء الكنيسة المبادئ التي توجِّه الإيمان والممارسة في كل الكنائس.
◄ ما هي المشاكل التي واجهتها الكنيسة الأولى والتي يواجهها المسيحيُّون في ثقافتك اليوم؟ بينما تدرس هذا الدرس، ابحث عن المبادئ التي يمكن أن توجِّه الكنيسة اليوم.
[2]"كاثوليكي" تعني "جامع أو عام". وهذا التعبير يعني الكنيسة المسيحيَّة العامة التي تتكوَّن من كل المؤمنين. لاحقًا استُخدمت كلمة كاثوليكيَّة لتشير بالتحديد إلى كنيسة روما الكاثوليكيَّة.
الموت لأجل الإيمان: الشهداء
واحدة من الشهادات المبكرة عن حق الإنجيل كانت موت شهداء القرن الأول. اسأل نفسك: "من يمكن أن يموت من أجل كِذْبة؟" صحيح أن كثير من الناس ماتوا من أجل أكاذيب، ولكنهم صدَّقوا أن الكذبة كانت صدق. الإرهابيُّون المسلمون، أعضاء الديانات الانتحاريَّة، شهداء الديانات الكاذبة ماتوا جميعًا معتقدين أن ديانتهم صحيحة.
ولكن الرسل كانوا شهودًا على القيامة. لو لم يكن القبر فارغًا، لعرفوا أن القيامة كانت كذبة. لو لم ير الـ 500 شاهد المذكورين في 1 كورنثوس 15: 6 يسوع بعد القيامة، لعرفوا أن شهادة بولس كانت كذبة. ولكن، واجه المؤمنون الأوائل الموت لأنهم عرفوا حق الإنجيل. تأتي كلمة "شهيد" من الكلمة اليونانيَّة "مارتيس" (martys) والتي تشير إلى شاهد قانوني. لم يمت الشهداء الأوائل لأجل كِذْبة؛ لقد ماتوا كشهود على حق الإنجيل. لقد ماتوا لأنهم رأوا يسوع المُقام وعرفوا أنه الرب.
كانت قصص أناجيل متى ومرقس ولوقا متداولة بين الكنائس في أثناء منتصف القرن الأول، أمَّا قصة يوحنا فقد كُتبت في أواخر القرن الأول. بحلول أواخر القرن الأول، كانت الأناجيل الأربعة شهادات رسميَّة على حقيقة القيامة. بنى الجيل التالي من الشهداء إيمانهم على هذه الأناجيل. ظل الجيل الثاني من المؤمنين أمينًا للإيمان في وجه الاضطهاد والموت.
بعد موت نيرون في عام 68 ميلاديًّا وخراب أورشليم في عام 70 ميلاديًّا، تجاهل الأباطرة الرومان المسيحيِّين لعدَّة سنوات. ولكن في بداية ثمانينيَّات القرن الأول، أصبح دومتيان إمبراطورًا. في عام 89 ميلاديًّا، أمر اليهود بإرسال عشورهم الدينيَّة إلى روما وأن يكرموه بصفته "ربًّا وإلهًا". عندما رفض اليهود والمسيحيُّون أن يسمُّوه "ربًّا وإلهًا"، قام دومتيان بحظر كل "الممارسات اليهوديَّة" والعبادة المسيحيَّة.
كان يوحنا منفيًّا في جزيرة بطمس في أثناء حكم دومتيان. وبينما كان في بطمس، كتب سفر الرؤيا مبيِّنًا أن يسوع وحده هو المستحق أن يُدعى "ربًّا وإلهًا" وليشجِّع المسيحيِّين المتألِّمين. برغم مقاومة الأباطرة الرومان، سينتصر الله على قوى هذه الأرض.
استمر اضطهاد المسيحيِّين بشكل متقطِّع طوال القرنين الثاني والثالث. عاقب الإمبراطور تراجان المسيحيِّين الذين تم الإبلاغ عنهم للموظَّفين المختصِّين، ولكنه لم يسع وراء المسيحيِّين. عاقب سبتيميوس سيفيروس (193-211) المسيحيِّين واليهود لأنهم عبدوا إلهًا واحدًا فقط ورفضوا أن يقدِّموا ذبائح للآلهة الرومانيَّة.
عاقب ديسيوس وفاليريان، وهما إمبراطوران من القرن الثالث، المسيحيِّين الذين رفضوا أن يقدِّموا ذبائح للآلهة. كان اليهود معفيِّين من تقديم الذبائح للآلهة، ولكن بحلول هذا الوقت لم تعد الكنيسة المسيحيَّة تُعتبر جزءًا من الإيمان اليهودي.
[1]أصبح دقلديانوس الإمبراطور في عام 284 ميلاديًّا. وبداية من عام 303، أصبح يضطهد المسيحيِّين. لم يتم قتل الأفراد المسيحيِّين فحسب (كما كان يحدث في الاضطهادات المبكرة)، وإنما أمر دقلديانوس بتدمير الكنائس، وإحراق الكتب المُقدَّسة، وتعذيب المؤمنين قبل قتلهم.
استمر هذا الاضطهاد الحاد تحت حكم خليفة دقلديانوس، جاليريوس. انتهى الاضطهاد فقط عندما أصدر الإمبراطور قسطنطين "مرسوم ميلانو" في عام 313 ميلاديًّا. منح مرسوم قسطنطين المسيحيِّين الإذن بحريَّة العبادة. وأنهى هذا قرونًا من الاضطهاد الروماني للمؤمنين.
فترات الاضطهاد الروماني
تاريخ
حدث
64 – 68 ميلاديًّا
نيرون يتَّهم المسيحيِّين بإحراق روما
استشهاد بطرس وبولس
89-96 ميلاديًّا
دومتيان يطالب بلقب "الرب والإله"
نفي يوحنا
193-211 ميلاديًّا
سبتيمويس سيفيروس يعاقب من يعبدون إلهًا واحدًا
247-251 ميلاديًّا
ديسيوس يطلب من كل شخص (ما عدا اليهود) أن يقدِّم ذبائح للآلهة
257-260 ميلاديًّا
فاليريان يأمر بقتل الأساقفة المسيحيِّين
303-313 ميلاديًّا
دقلديانوس وجاليريوس يعذِّبان المسيحيِّين، ويحرقان الكنائس، ويدمِّران نسخًا من الكتاب المُقدَّس
... من وقتها إلى الآن...
يستمر اضطهاد الكنيسة اليوم في أماكن مثل السودان، شمال نيجيريا، وكوريا الشماليَّة. يُقدَّر عدد المسيحيِّين الذين استشهدوا في القرن العشرين بحوالي خمسة وأربعون مليون مسيحي (بمعدَّل واحد كل خمس دقائق). بينما تدرس هذا الدرس، اقضِ يومًا واحدًا في الصيام والصلاة من أجل الكنيسة المضطهدة. صلِّ:
(1) أن يمنح الله المسيحيِّين القوة في مواجهة الاضطهاد،
(2) وأن يستخدم الله شهادتهم للوصول بمضطهديهم إلى المسيح.
[1]دماء الشهداء هي بذار الكنيسة. -ترتليان (197 تقريبًا)
مسيحيُّون عظماء ينبغي أن تعرفهم: بوليكاربوس، أسقف سميرنا (69-155 تقريبًا)
"لقد كنت خادمه لمدَّة ست وثمانون سنة، ولم يسئ إليَّ. فكيف أجدِّف على ملكي الذي خلَّصني؟"
بحسب تقليد قديم، كان بوليكاربوس تلميذًا للرسول يوحنا.[1]وهذا يجعله حلقة وصل هامة بين الرسل والجيل الثاني من المؤمنين المسيحيِّين. لقد اهتدى في طفولته وأمضى حياته كلها يخدم كقائد في الكنيسة. رغم أنه لم ينل من التعليم الرسمي قسطًا كبيرًا، إلَّا أنه كان قائدًا مؤثرًا، أثار تواضعه وشجاعته إعجاب من عرفوه.
خدم بوليكاربوس كأسقف لمدينة سميرنا (إزمير حاليًا في تركيا). كان خصمًا جريئًا لماركيون، المهرطق الغنوسي الذي تكلَّمنا عنه سابقًا في هذا الفصل. حتى عندما كان يقابل ماركيون في شوارع روما، كان بوليكاربوس يرفض أن يخفِّف من حدَّة معارضته لتعليم ماركيون الهرطوقي. وبدلًا من أن يحاول أن يفوز بعطف هذا المعلِّم صاحب الشعبيَّة الكبيرة، أطلق بوليكاربوس على ماركيون اسم "ابن إبليس". أعاد تعليم بوليكاربوس الكثير من الغنوسيِّين إلى الإيمان المسيحي الصحيح.
بالإضافة إلى نقاوة التعليم والعقيدة، كان بوليكاربوس مهتمًّا بأن يحافظ المسيحيُّون على حياة الاستقامة الأخلاقيَّة. كتب رسالة إلى أهل فيلبي أصبحت دليلًا هامًّا للإيمان المسيحي في القرن الثاني. في رسالته الرعويَّة، تناول بوليكاربوس مسائل عمليَّة في الحياة المسيحيَّة. وقد حذَّر من النزعة الماديَّة وعدم الأمانة في الأمور الماليَّة. وكما كان الحال حينها كذلك الآن، كان المال تجربة قويَّة تجذب المسيحين إلى الخطيَّة.
كانت سميرنا واحدة من كنيستين لم تتلقَّيا أيَّة إدانة في الرسائل التي أُرسلت إلى الكنائس السبع في سفر الرؤيا. أنبأت الرسالة الموجَّهة إلى سميرنا بالاضطهاد، لكنها وعدت بإكليل الحياة لمن يظلون أمناء. "كُنْ أَمِيناً إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ... مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي".[2]ويقف بوليكاربوس شاهدًا على صدق هذا الوعد.
في سن السادسة والثمانين، تم تحذير بوليكاربوس من أنه سيتم إلقاء القبض عليه. كانت السلطات الرسميَّة في سميرنا قد قتلت مؤخَّرًا العديد من المسيحيِّين وتطالب الآن بحياة الأسقف. كانوا يعتقدون أنهم إذا قتلوا الأسقف، فستموت الكنيسة في سميرنا.
عرف بوليكاربوس خطورة هذا التهديد. فقد كان قد حيَّا إغناطيوس عندما انتقل عبر سميرنا في طريقه ليستشهد في روما. لاحقًا وجَّه إغناطيوس واحدة من رسائله السبع إلى بوليكاربوس. عرف بوليكاربوس الخطر، لكنه رفض أن ينكر المسيح.
عندما وصل الجنود ليقبضوا على بوليكاربوس، طلب أن يُقدِّم لهم الطعام والشراب بينما يأخذ وقتًا ليصلِّي. تأثَّر الجنود بشدَّة بينما كانوا يسمعون صلاته حتى إنهم تركوه يصلِّي لمدَّة ساعتين قبل أن يأخذوه إلى الحلبة.
في الحلبة، طلب منه الحاكم أن ينكر المسيح ووعده بأن يعفو عنه. كل ما على بوليكاربوس أن يقوله هو تلك الكلمات: "قيصر رب". عند هذه النقطة في تاريخ روما، كانت هناك قلَّة قليلة من المتعلِّمين –حتى القيصر– يؤمنون بحق بالآلهة الرومانيَّة. بسبب هذا، شجَّع الكثيرون المسيحيِّين ليقولوا هذه الكلمات لتجنُّب الموت. وأصرُّوا: "ليس عليكم أن تؤمنوا بهذه الكلمات. قولوا فقط هذه الكلمات الفارغة دون التراجع عن إيمانكم بالمسيح".
رد بوليكاربوس بالشهادة عن أمانة المسيح. وقد تردَّد صدى كلماته طول التاريخ: "لقد كنت خادمه لمدَّة ست وثمانون سنة ولم يسئ إليَّ. فكيف أجدِّف على ملكي الذي خلَّصني؟"[3]لم يقبل أن يقدِّم تنازلات عن إيمانه بالمسيح لكي ينقذ حياته. فأمر الحاكم عندئذ بحرق بوليكاربوس مربوطًا على العمود.
كتب شاهد عن استشهاد بوليكاربوس أن موت بوليكاربوس أثَّر في جميع من راقبوه: "حتى أن الوثنيِّين يتكلَّمون عنه في كل مكان". حتى عند الموت، كان بوليكاربوس شاهدًا لله في العالم. كان بوليكاربوس أمينًا للحق، إلى درجة الموت.
يبيِّن موت بوليكاربوس ومسيحيِّين آخرين من القرن الثاني أن رسالة الإنجيل لم تفقد قوتها بعد وفاة الجيل الأول من المؤمنين. لقد منح الروح القدس الشجاعة للرسل في مواجهة الاضطهاد، وقد منح الروح القدس أيضًا الشجاعة لبوليكاربوس ومعاصريه في وجه الموت، وسيمنح الروح القدس الشجاعة اليوم في وجه مقاومة إبليس.
اليوم، نستخدم الكلمة الإنجليزيَّة apology للإشارة إلى التعبير عن الندم على الوقوع في خطيَّة. أن تعتذر (apologize) لشخص ما يعني أن تقول له: "أنا آسف على ما فعلته".
ولكن كلمة apology تأتي في الأصل من الكلمة اللاتينيَّة apologia، والتي تعني "يدافع عن" الحق. في القرن الثاني، دافع كُتَّاب يُسمُّون "المدافعين" عن الإيمان المسيحي ضد مضطهديهم الرومان. شرح هؤلاء الكُتَّاب الإيمان المسيحي للمتعلِّمين في أيامهم. لقد أرادوا أن يبيِّنوا أن المسيحيِّين لم يشكِّلوا تهديدًا سياسيًّا بالنسبة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة. كما رأينا في الدرس الأول، كانت بعض الاتِّهامات الموجَّهة إلى المسيحيَّة مبنيَّة على سوء فهم لممارساتهم في العبادة. حاول المدافعون أن يشرحوا هذه الممارسات لغير المؤمنين.
بالإضافة إلى هذا، قدَّم المدافعون الإنجيل إلى الوثنيِّين. فكثيرًا ما استخدموا تعبيرات وأفكار الفلسفة اليونانيَّة لتفسير الإنجيل. أشار المدافعون إلى عظة بولس التي ألقاها في مسامع الفلاسفة في أثينا كمثال على استخدام الفلسفة الوثنيَّة كأداة لصالح الإنجيل.[1]
يوستينوس الشهيد (110-165 تقريبًا): نشأ في عائلة أمميَّة. تعلَّم الفلسفة اليونانيَّة وليس اللاهوت اليهودي. درس يوستينوس عن الكثير من الفلاسفة اليونانيِّين في بحثه عن الحق. وجلب له كل واحد منهم شعورًا بالإحباط. أخيرًا، التقى برجل مسيحي كبير السن قدَّم له رسالة الإنجيل. من خلال هذا الرجل، وجد يوستينوس الحق في المسيح.
وجد يوستينوس أن الإيمان المسيحي قد أجاب عن الأسئلة التي لم يجب عنها أي فيلسوف يوناني. علاوة على ذلك، أقنعته شجاعة الشهداء بأن المسيحيُّون يعرفون الحق. كتب لاحقًا: "عندما رأيت أن المسيحيِّين لا يخافون من الموت، عرفت أنه من المستحيل أن يكونوا عائشين في الشر والمتعة". أخيرًا، مات يوستينوس لأجل إيمانه. تم قطع رأسه بسبب الإيمان في عام 165 ميلاديًّا بعد أن كتب إلى الإمبراطور: "بإمكانك أن تقتلنا، ولكن ليس بإمكانك أن تؤذينا".
بعد اهتدائه إلى المسيح، درس يوستينوس العهد القديم ورأى كيف أعد الأنبياء العبرانيُّون الطريق ليسوع المسيَّا. أصبح يوستينوس مقتنعًا بأنه كما استخدم الله الناموس الموسوي ليبيِّن لليهود أنهم كانوا بحاجة إلى المسيَّا، هكذا استخدم الله تعاليم الفلاسفة اليونانيِّين ليبيِّن لهم احتياجهم إلى مخلِّص.
[2]رأى يوستينوس الفلاسفة اليونانيِّين يطرحون أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بعيدًا عن يسوع. بسبب هذا، استخدم يوستينوس أفكارًا من الفلاسفة الوثنيِّين لتعليم الإيمان المسيحي.
استخدم كتاب يوستينوس "حوار مع تريفو" (Dialogue with Trypho) تعبير اللوجوس من يوحنا 1 كأساس لدفاعه عن الإنجيل.[3]وقال إن الله أعطى "بذار الكلمة" للفلاسفة اليونانيِّين ليُعِد الطريق لمجيء المسيَّا. واقتبس سقراط الذي رفض الآلهة والإلهات اليونانيِّين. قال يوستينوس إنه بإثبات أن هذه الآلهة زائفة، حرَّر سقراط الأمم "من الأرواح الشرِّيرة".[4]وقد أعد هذا الأمم لرسالة الله الحقيقي ولمجيء المسيح بصفته "الكلمة الذي صار جسدًا".
استخدم مدافعان من شمال إفريقيا، إكليمنضس السكندري وأوريجانوس، الفلسفة اليونانيَّة في شرح الإيمان المسيحي والدفاع عنه. كان في الإسكندريَّة، ثاني أكبر مدينة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، عدد كبير من اليهود الساكنين بها. في الإسكندريَّة، حاول الفيلسوف اليهودي فيلو (معاصر لبولس) تفسير اليهوديَّة باستخدام التعبيرات الفلسفيَّة اليونانيَّة. في نهاية القرن الثاني، حذا إكليمنضس السكندري حذو يوستينوس الشهيد في محاولة العثور على صلات بين الإيمان المسيحي والفلسفة اليونانيَّة.
ذهب خليفة إكليمنضس، أوريجانوس، أبعد من هذا في تفكيره الفلسفي. فقد حاول أن يشرح الإنجيل للثقافة اليونانيَّة باستخدام نهجًا مجازيًّا في التعامل مع العهد القديم. على سبيل المثال، كتب أوريجانوس تفسيرًا لسفر نشيد الأنشاد فسَّر فيه كل عبارة كصورة عن محبة المسيح للكنيسة. اتَّبع المفسِّرون اللاحقون مثل أوغسطينوس تفسير أوريجانوس المجازي. ولكن تم رفض الكثير من أفكار أوريجانوس الفلسفيَّة لاحقًا من قِبَل الكنيسة بصفتها تتعارض مع الكتاب المُقدَّس.
... من وقتها وإلى الآن...
يشجِّع بعض علماء الإرساليَّات اليوم المبشِّرين على استخدام نهج يوستينوس الشهيد في التبشير. إذ يقترحون أنه ينبغي أن ندرس المعتقدات غير المسيحيَّة لكي نبني جسورًا بين الديانات الزائفة والإنجيل. بهذا النهج، يثير الشخص المسيحي أسئلة ليس لدى غير المؤمن إجابة عنها. والهدف هو خلق جوع للإجابات التي يمكن أن توجد في إنجيل يسوع المسيح.
◄ ما هي التعاليم الموجودة في مجتمعك التي تُعتبر مدخلًا لرسالة الإنجيل؟ كيف يمكن أن تخلق هذه التعاليم جوعًا للحق؟ ما هي المخاطر الكامنة في دراسة هذه الأفكار الزائفة؟
[1]اقتبس بولس النقش الموجود على مذبح وثني في عظته في أريوس باغوس (أعمال الرسل 17: 18-31).
[2]ماتيو ريتشي (Matteo Ricci) في أوائل القرن الـ 17، اتَّبع ماتيو ريتشي، وهو مرسل إلى الصين، أسلوب يوستينوس الشهيد في التبشير. استعار ريتشي مفاهيم من كونفوشيوس (تشمل اسمًا صينيًّا تقليديًّا لله) في توصيل الإنجيل. من خلال تأثيره، اهتدى العديد من الموظَّفين الحكوميِّين إلى المسيح. ولكن يعتقد الكثيرون أن ريتشي عرَّض العقيدة المسيحيَّة إلى الخطر في إطار جهوده للتكيُّف مع التقاليد الصينيَّة. اليوم، لا زال المسيحيُّون يواجهون تحدِّي توصيل الإنجيل عبر الثقافات بدون تعريض محتوى رسالة الإنجيل للخطر.
[3]في يوحنا 1: 1، تُرجمت الكلمة اليونانية "لوجوس" إلى "الكلمة" واستُخدمت لتشير إلى يسوع المسيح.
انتشار الإنجيل عبر الإمبراطوريَّة الرومانيَّة وما وراءها
بعد يوم الخمسين، انتقل مركز المسيحيَّة بالتدريج بعيدًا عن أورشليم. وإذ ازداد الاضطهاد، هرب مسيحيُّون كثيرون إلى أنطاكية في سوريَّة. أصبحت هذه الكنيسة الكنيسة المرسِلة الرئيسيَّة للمرسلين في سفر أعمال الرسل. بنهاية القرن الرابع، كان نصف سكان أنطاكية البالغ عددهم تقريبًا 500,000 نسمة قد أصبحوا مسيحيِّين.[1]
أخذ بولس الإنجيل غربًا عبر أسيا الصغرى (تركيا حاليًا). بحلول عام 112 ميلاديًّا، كان الإنجيل قد انتشر في جميع أنحاء أسيا الصغرى. حذَّر الحاكم الإمبراطور تراجان من أن الهياكل الوثنيَّة سرعان ما ستصبح مهجورة لأن كثيرين جدًّا قد تحوَّلوا إلى المسيحيَّة.
بشَّر بولس وبطرس في روما. بحلول عام 250 ميلاديًّا، كان هناك تقريبًا 30,000 مسيحي في روما ذاتها. انتشر الإنجيل من روما في جميع أنحاء الإمبراطوريَّة. أخذ بولس الإنجيل إلى إسبانيا بعد إطلاق سراحه من السجن. تمَّت زراعة الكنائس فيما يُعرف حاليًا بفرنسا بحلول منتصف القرن الثاني. بحلول عام 314 ميلاديًّا، كان هناك على الأقل ثلاثة أساقفة من بريطانيا.
كان هناك مركز آخر للمسيحيَّة المبكرة في شمال إفريقيا. في مقابل روما، حيث جاء المسيحيُّون إلى حد كبير من الطبقات الدنيا، جذبت كنائس شمال إفريقيا الكثيرين من الطبقات العليا.
[2]بنهاية القرن الثالث، كان الإنجيل قد وصل إلى جميع أنحاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. خارج حدود الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، سافر الإنجيل شرقًا عبر إديسا وحتى الهند. بحسب تقليد كنسي مبكِّر، أخذ الرسول توما الإنجيل إلى الهند حيث استشهد على يد مجموعة من الطبقة العليا من البراهما عندما رفض أن يقدِّم ذبيحة للإلهة كالي. هذا أقدم تقرير عن حركة الإنجيل خارج حدود الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. يعتقد بعض العلماء أن الإنجيل ربما يكون قد سافر من الهند إلى الصين على طول مسار طريق الحرير في أواخر القرن الأول أو بدايات القرن الثاني.
وإذ أخذ المؤمنون الإنجيل إلى أورشليم واليهوديَّة والسامرة وإلى أقصى الأرض، أطاعوا التكليف العظيم. كثيرًا ما يُذكِّر اللاهوتي الإفريقي جون مابيتي (John Mbiti) مستمعيه بأن المرسلين لم يجلبوا الله إلى إفريقيا، بل جلب الله المرسلين إلى إفريقيا.[3]وإذ نطيع دعوة الله، نراه يتمِّم عمله في عالمنا.
[1]Bruce L. Shelley, Church History in Plain Language, 3rd ed. (USA: Thomas Nelson, 2008), 29.
[2]إرساليَّة الله (THE MISSIO DEI) الله يعمل في العالم "لم يجلب المرسلون الله إلى إفريقيا، بل جلب الله المرسلين إلى إفريقيا".
[3]Cited in Timothy C. Tennent, Invitation to World Missions (Michigan: Kregel, 2010, 75).
الخلاصة: تاريخ الكنيسة يتكلَّم اليوم
قال المهاتما غاندي ذات مرة: "لم أهتم يومًا بيسوع التاريخي. ينبغي ألَّا يهمني إذا أثبت شخص ما أن رجلًا اسمه يسوع عاش يومًا على أرضنا ... لأن الموعظة على الجبل ستظل في نظري صحيحة وحقيقيَّة". للأسف، يؤمن أشخاص كثيرون ممَّن يدَّعون أنهم مسيحيُّون بما يؤمن به غاندي. يقولون إن تعاليم يسوع، وليس حقائق حياته، هي التي تهم.
عرف آباء الكنيسة الأولى أن حقائق حياة وموت وقيامة يسوع التاريخيَّة هامة. إذ تتأصَّل تعاليم يسوع الأخلاقيَّة والروحيَّة فيمن يكون يسوع نفسه. عبَّر بولس عن هذا صراحة: "وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ!"[1]
في الجيل الثاني من الكنيسة، كان آباء الكنيسة على استعداد لمواجهة الاستشهاد بسبب ثقتهم بحياة وموت وقيامة يسوع. مثل آباء الكنيسة، ينبغي أن نتمسَّك بحقائق المسيحيَّة. واجه آباء الكنيسة الاستشهاد بدلًا من إنكار الإيمان، والمسيحيُّون اليوم مدعوُّون لاتِّباع مثالهم، وأن يبقوا أمناء ولو إلى الموت.
في الجيل الثاني من الكنيسة، أعطى آباء الكنيسة حياتهم للكرازة بالإنجيل وإعلانه. لقد أخذوا الإنجيل إلى أرجاء الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. والمسيحيُّون اليوم مدعوُّون لاتِّباع مثالهم، وأن يلزموا أنفسهم بتلمذة كل الأمم.
القانون الموراتوري (The Muratorian canon) يشمل معظم أسفار العهد الجديد ما عدا رسالة العبرانيِّين ويعقوب ورسائل بطرس.
303-313
حقبة الشهداء تحت حكم دقلديانوس.
313
مرسوم ميلانو الذي أصدره قسطنطين، والذي جعل المسيحيَّة ديانة رسميَّة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة.
شخصيَّات رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة
إكليمنضس الروماني (القرن الأول). أسقف روما في أواخر القرن الأول. كتب رسالة إلى كنيسة كورنثوس عالج فيها مشاكل النظام والسلطة في الكنيسة.
إغناطيوس (35-107 تقريبًا): أسقف أنطاكية الذي كتب سبع رسائل إلى سبع كنائس في طريقه إلى الاستشهاد في روما. تبيِّن رسائله لاهوت الجيل الأول بعد العهد الجديد.
إيريناوس (130-202 تقريبًا). واحد من أكثر قادة الكنيسة الأولى تأثيرًا. هاجم كتابه "ضد الهرطقات" (Against Heresies) الغنوسيَّة. ساهم في إقرار القانونيَّة الكتابيَّة وفي عقيدة التجسُّد.
يوستينوس الشهيد (100-165). أهم مدافع مسيحي في التاريخ مبكِّر. استخدم الفلسفة اليونانيَّة في شرح المسيحيَّة لغير المؤمنين.
أوريجانوس (Origen) (185-254) الإسكندريَّة . رغم أنه رفض الغنوسيَّة، إلَّا أنه قَبِل الكثير من الأفكار الفلسفيَّة اليونانيَّة التي ألهمت الفكر الغنوسي. استخدم التفسير المجازي لتفسير الفقرات الصعبة في الكتاب المُقدَّس.
بوليكاربوس (69-155 تقريبًا): أسقف سميرنا وقائد مسيحي محترم على نطاق واسع؛ استشهد في سن الـ 86.
تكليفات خاصة بالدرس
(1) قم بالإجابة عن امتحان هذا الدرس. يشمل الامتحان تواريخ من "أحداث رئيسيَّة في تاريخ الكنيسة" من خلال الخط الزمني (100-313).
(2) قم بكتابة ملخَّص سيرة واحد من القادة المسيحيِّين التالين: يوستينوس الشهيد، إكليمنضس السكندري، أو إيريناؤس. ينبغي أن يشمل الملخَّص أربعة أجزاء:
السيرة: متى عاش؟ أين عاش؟ متى وأين مات؟
الأحداث: ما هي أهم الأحداث في حياته؟
التأثير: ما الذي فعله وكان له تأثيرًا دائمًا على الكنيسة المسيحيَّة؟
التطبيق: اذكر درسًا واحدًا تتعلَّمه الكنيسة اليوم من حياة هذا القائد.
لديك خياران لتقديم هذا الملخَّص:
تقديم ورقة من صفحتين إلى القائد المسؤول عن المجموعة.
تقديم الملخَّص شفويًّا من 3-5 دقائق أمام المشتركين في المجموعة.
أسئلة الدرس الثاني
(1) كان الاضطهاد الذي انصبَّ على الكنيسة من عام 89-96 ميلاديًّا بقيادة الإمبراطور __________.
(2) في عام 303 ميلاديًّا، أمر الإمبراطور __________ بتدمير الكنائس وحرق الكتب المُقدَّسة المسيحيَّة.
(3) استخدم المدافع __________ الفلسفة اليونانيَّة لشرح المسيحيَّة لغير المؤمنين من خلفيَّة وثنيَّة.
(4) استخدم المدافع __________ النهج المجازي للعهد القديم لتفسير الإنجيل لسكَّان الإسكندريَّة الناطقين باليونانيَّة.
(5) ذُكر القانون __________ في عام 190 ميلاديًّا، ويضم معظم أسفار العهد الجديد الموجودة حاليًا.
(6) تم إعلان مرسوم ميلانو في عام __________ ميلاديًّا.
SGC exists to equip rising Christian leaders around the world by providing free, high-quality theological resources. We gladly grant permission for you to print and distribute our courses under these simple guidelines:
No Changes – Course content must not be altered in any way.
No Profit Sales – Printed copies may not be sold for profit.
Free Use for Ministry – Churches, schools, and other training ministries may freely print and distribute copies—even if they charge tuition.
No Unauthorized Translations – Please contact us before translating any course into another language.
All materials remain the copyrighted property of Shepherds Global Classroom. We simply ask that you honor the integrity of the content and mission.